الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ اختلاف ضرر الوضع ] واقتصر الشارح على حكاية بعض هذه المقالة ، والضرر بهؤلاء شديد ، ولذلك قال العلائي : أشد الأصناف ضررا أهل الزهد ; كما قاله ابن الصلاح ، وكذا المتفقهة الذين استجازوا نسبة ما دل عليه القياس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وأما باقي الأصناف - كالزنادقة - فالأمر فيهم أسهل ; لأن كون تلك الأحاديث كذبا لا تخفى إلا على الأغبياء ، وكذا أهل الأهواء من الرافضة والمجسمة والقدرية في شد بدعهم ، وأمر أصحاب الأمراء والقصاص أظهر ; لأنهم في الغالب ليسوا [ ص: 326 ] من أهل الحديث .

قال شيخنا : وأخفى الأصناف من لم يتعمد الوضع ، مع الوصف بالصدق ; كمن يغلط فيضيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كلام بعض الصحابة أو غيرهم ، وكمن ابتلي بمن يدس في حديثه ما ليس منه ، كما وقع لحماد بن زيد مع ربيبه ، ولسفيان بن وكيع مع وراقه ، ولعبد الله بن صالح كاتب الليث مع جاره ، ولجماعة من الشيوخ المصريين في ذلك العصر مع خالد بن نجيح المدائني المصري .

وكمن تدخل عليه آفة في حفظه ، أو في كتابه ، أو في بصره ، فيروي ما ليس من حديثه غالطا ، فإن الضرر بهم شديد لدقة استخراج ذلك إلا من الأئمة النقاد . انتهى .

والأمثلة لمن يضع كلامه أو كلام غيره كثيرة ; كحديث : ( المعدة بيت الداء ، والحمية رأس الدواء ) ; فإن هذا لا يصح رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بل هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب أو غيره ، وحديث : ( من عمل بما يعلم أورثه الله علم ما لم يعلم ) ، كما سيأتي قريبا .

وحديث : ( حب الدنيا رأس كل خطيئة ) ، فقد رواه البيهقي في الزهد ، [ ص: 327 ] وأبو نعيم في ترجمة الثوري من ( الحلية ) من قول عيسى ابن مريم - عليه السلام - ، وجزم ابن تيمية بأنه من قول جندب البجلي - رضي الله عنه - ، وأورده ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان له من قول مالك بن دينار ، وابن يونس في ترجمة سعد بن مسعود التجيبي من ( تأريخ مصر ) له من قول سعد هذا .

ولكن أخرجه البيهقي أيضا في الحادي والسبعين من ( الشعب ) بسند حسن إلى الحسن البصري رفعه مرسلا ، [ قال القاضي زكريا : قال العراقي : مراسيل الحسن عندهم شبه الريح . وأورده الديلمي في الفردوس ، وتبعه ولده بلا إسناد عن علي بن أبي طالب رفعه أيضا .

ولا دليل للحكم عليه بالوضع مع وجود هذا ، ولذا لا يصح التمثيل به ، اللهم إلا أن يكون سنده مما ركب ، فقد ركبت أسانيد مقبولة لمتون ضعيفة أو متوهمة ; كما سيأتي هنا وفي النوع بعده ، فيكون من أمثلة الوضع السندي .

( ومنه ) أي الموضوع ( نوع وضعه لم يقصد نحو حديث ثابت ) هو ابن موسى الزاهد ، الذي رواه إسماعيل بن محمد الطلحي عنه عن شريك بن عبد الله القاضي ، عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر رفعه : ( من كثرت صلاته ) بالليل . . . . . . ( الحديث ) ، وتمامه : " حسن وجهه بالنهار " فإن هذا لا أصل له عن النبي صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 328 ] وإن أغرب القضاعي حيث قال في مسند الشهاب له لما ساقه من طرق : ما طعن أحد منهم - أي من الحفاظ الذين أشار إليهم - في إسناده ولا متنه .

واغتر الركن بن القوبع المالكي ; حيث قال من أبيات :

ومن كثرت صلاة الليل منه فيحسن وجهه قول النبي .

ولكن لم يقصد راويه الأول وهو ثابت وضعه ، إنما دخل على شريك وهو في مجلس إملائه عند قوله : ثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يذكر المتن الحقيقي لهذا السند ، أو ذكره - حسب ما اقتضاه كلام ابن حبان - وهو : يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم .

فقال شريك متصلا بالسند أو بالمتن حين نظر إلى ثابت : " من كثرت . . . . . " إلى آخره ، قاصدا بذلك مماجنة ثابت لزهده وورعه وعبادته ، فظن ثابت أن هذا متن ذاك السند ، أو بقية المتن لمناسبته له ، فكان يحدث به كذلك مدرجا له في المتن الحقيقي أو منفصلا عنه ، وهو الذي رأيته .

وذلك ( وهلة ) أي : غلطة من ثابت لغفلته التي أدى إليها صلاحه ( سرت ) تلك الغلطة بحيث انتشرت ، فرواه عنه غير واحد ، وقرن بعضهم بشريك سفيان الثوري ، ولم يقنع جماعة من الضعفاء بروايته عن ثابت ، مع تصريح ابن [ ص: 329 ] عدي بأنه لا يعرف إلا به ، بل سرقوه منه ، ثم رووه عن شريك نفسه .

ولذا قال عبد الغني بن سعيد الحافظ : إن كل من حدث به عن شريك ، فهو غير ثقة .

ونحوه قول العقيلي : إنه حديث باطل ليس له أصل ولا يتابعه عليه ثقة ، ولا يخدش في قولهما رواية زكريا بن يحيى زحمويه مع كونه ثقة له عن شريك ، فالراوي له عن زحمويه ضعيف .

وكذا سرقه بعضهم ورواه عن الأعمش ، وبعضهم صير له إسنادا إلى الثوري ، وابن جريج كلاهما عن أبي الزبير عن جابر ، وجعله بعضهم من مسند أنس .

وفي قيام الليل ) لابن نصر ، ومسند الشهاب للقضاعي ، والموضوعات لابن الجوزي من طرقه الكثير ، إلى غير ذلك مما لم يذكروه ، ولكنه من جميعها على اختلافها باطل ، كشف النقاد سترها ، وبينوا أمرها بما لا نطيل بشرحه .

ولا اعتداد بما يخالف هذا كما تقدم ، وإنما يعرف معناه عن الحسن البصري فيما رواه مسبح بن حاتم ، ثنا عبد الله بن محمد ، عن إسماعيل المكي عنه أنه سئل : ما بال المتهجدين بالليل ، أحسن الناس وجوها ؟ ! قال : لأنهم خلوا بالرحمن ، [ ص: 330 ] فألبسهم من نوره .

وظهر بما تقرر أن قول ابن الصلاح - تبعا للخليلي في الإرشاد - : إنه شبه الوضع حسن ; إذ لم يضعه ثابت ، وإن كان ابن معين قال فيه : إنه كذاب ، نعم الطرق المركبة له موضوعة ، ولذا جزم أبو حاتم بأنه موضوع ، والظاهر أنهم توهموه حديثا وحملهم الشره ومحبة الظهور على ادعاء سماعه ، وهم صنف من الوضاعين .

كما وضع بعضهم حين سمع الإمام أحمد يذكر عن بعض التابعين مما نسبه لعيسى - عليه السلام - : " من عمل بما يعلم أورثه الله علم ما لم يعلم " فتوهمه - كما ذكره أبو نعيم في ترجمة أحمد بن أبي الحواري من ( الحلية ) - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضع له عن الإمام أحمد سندا ، وهو عن يزيد بن هارون عن حميد عن أنس لسهولته وقربه ، وجلالة الإمام تنبو عن هذا .

وأما ابن حبان فسماه مدرجا ; حيث قال : إن ثابتا قاله عقب حديث : " يعقد الشيطان " ، فأدرجه في الخبر ، فعلى هذا فهو من أقسام المدرج ، كما أشرت إليه هناك ; إذ لم يشترطوا في إطلاق الإدراج كونه عمدا ، بل يطلقونه على ما هو أعم من ذلك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث