الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا

كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا .

ارتقى في تمثيل حالهم لو فرض رجوعهم على أعقابهم بتمثيل آخر أدق ، بقوله كالذي استهوته الشياطين في الأرض ، وهو تمثيل بهيئة متخيلة مبنية على اعتقاد المخاطبين في أحوال الممسوسين . فالكاف في موضع الحال من الضمير في نرد على أعقابنا ، أي حال كوننا مشبهين للذي استهوته الشياطين فهذه الحال مؤكدة لما في نرد على أعقابنا من معنى التمثيل بالمرتد على أعقابه .

والاستهواء استفعال ، أي طلب هوى المرء ومحبته ، أي استجلاب هوى المرء إلى شيء يحاوله المستجلب . وقربه أبو علي الفارسي بمعنى همزة التعدية . فقال : استهواه بمعنى أهواه مثل استزل بمعنى أزل . ووقع في الكشاف أنه استفعال من هوى في الأرض إذا ذهب فيها ، ولا يعرف هذا المعنى من كلام أئمة اللغة ولم يذكره هو في الأساس مع كونه ذكر كالذي استهوته الشياطين ولم ينبه على هذا من جاء بعده .

والعرب يقولون : استهوته الشياطين ، إذا اختطفت الجن عقله فسيرته كما تريد . وذلك قريب من قولهم : سحرته ، وهم يعتقدون أن الغيلان هي سحرة الجن ، وتسمى السعالى أيضا ، واحدتها سعلاة ، ويقولون أيضا : استهامته الجن إذا طلبت هيامه بطاعتها .

وقوله في الأرض متعلق بـ استهوته ، لأنه يتضمن معنى ذهبت به وضل في الأرض . وذلك لأن الحالة التي تتوهمها العرب استهواء الجن يصاحبها التوحش وذهاب المجنون على وجهه في الأرض راكبا رأسه لا ينتصح لأحد ، كما وقع لكثير من [ ص: 302 ] مجانينهم ومن يزعمون أن الجن اختطفتهم . ومن أشهرهم عمرو بن عدي الإيادي اللخمي ابن أخت جذيمة بن مالك ملك الحيرة . وجوز بعضهم أن يكون في الأرض متعلقا بـ حيران ، وهو بعيد لعدم وجود مقتض لتقديم المعمول .

وحيران حال من الذي استهوته ، وهو وصف من الحيرة ، وهي عدم الاهتداء إلى السبيل . يقال : حار يحار إذ تاه في الأرض فلم يعلم الطريق . وتطلق مجازا على التردد في الأمر بحيث لا يعلم مخرجه ، وانتصب حيران على الحال من الذي .

وجملة له أصحاب حال ثانية ، أي له رفقة معه حين أصابه استهواء الجن . فجملة يدعونه صفة لـ " أصحاب " .

والدعاء : القول الدال على طلب عمل من المخاطب . والهدى : ضد الضلال . أي يدعونه إلى ما فيه هداه . وإيثار لفظ الهدى هنا لما فيه من المناسبة للحالة المشبهة . ففي هذا اللفظ تجريد للتمثيلية كقوله تعالى فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم في سورة البقرة . ولذلك كان لتعقيبه بقوله قل إن هدى الله هو الهدى وقع بديع . وجوز في الكشاف أن يكون الهدى مستعارا للطريق المستقيم . وجملة ائتنا بيان لـ يدعونه إلى الهدى لأن الدعاء فيه معنى القول . فصح أن يبين بما يقولونه إذا دعوه ، ولكونها بيانا فصلت عن التي قبلها ، وإنما احتاج إلى بيان الدعاء إلى الهدى لتمكين التمثيل من ذهن السامع ، لأن المجنون لا يخاطب بصريح المقصد فلا يدعى إلى الهدى بما يفهم منه أنه ضال ، لأن من خلق المجانين العناد والمكابرة . فلذلك يدعونه بما يفهم منه رغبتهم في صحبته ومحبتهم إياه ، فيقولون : ائتنا ، حتى إذا تمكنوا منه أوثقوه وعادوا به إلى بيته .

وقد شبهت بهذا التمثيل العجيب حالة من فرض ارتداده إلى ضلالة الشرك بعد هدى الإسلام لدعوة المشركين إياه وتركه أصحابه المسلمين الذين يصدونه عنه ، بحال الذي فسد عقله باستهواء من الشياطين والجن ، فتاه في الأرض بعد أن كان عاقلا عارفا بمسالكها ، وترك رفقته العقلاء يدعونه إلى موافقتهم ، وهذا التركيب البديع [ ص: 303 ] صالح للتفكيك بأن يشبه كل جزء من أجزاء الهيئة المشبهة بجزء من أجزاء الهيئة المشبهة بها ، بأن يشبه الارتداد بعد الإيمان بذهاب عقل المجنون ، ويشبه الكفر بالهيام في الأرض ، ويشبه المشركون الذين دعوهم إلى الارتداد بالشياطين وتشبه دعوة الله الناس للإيمان ونزول الملائكة بوحيه بالأصحاب الذين يدعون إلى الهدى . وعلى هذا التفسير يكون الذي صادقا على غير معين ، فهو بمنزلة المعرف بلام الجنس . وروي عن ابن عباس أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حين كان كافرا وكان أبوه وأمه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى ، وقد أسلم في صلح الحديبية وحسن إسلامه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث