الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث عدم مخالفة الإمام حتى في الجلوس

جزء التالي صفحة
السابق

وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرسا فصرع عنه فجحش شقه الأيمن فصلى صلاة من الصلوات قاعدا فصلينا وراءه قعودا فلما انصرف قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائما فصلوا قياما وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون لم يقل مسلم وإذا ركع فاركعوا وفي بعض طرق البخاري فصلى بهم جالسا وهم قيام وفي رواية له ساقه الأيمن وذكر أن ذلك كان في الأيام التي آلى فيها من نسائه وعلى هذا فأمر المأمومين بالجلوس بجلوس الإمام منسوخ بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في مرض موته وأبو بكر والناس وراءه قيام وهو في الصحيحين من حديث عائشة

[ ص: 343 ]

التالي السابق


[ ص: 343 ] (الحديث الثالث) وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرسا فصرع عنه فجحش شقه الأيمن فصلى صلاة من الصلوات قاعدا فصلينا وراءه قعودا فلما انصرف قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائما فصلوا قياما وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون وأمرهم بالجلوس منسوخ بما في الصحيحين من حديث عائشة من صلاته جالسا في مرض موته وأبو بكر والناس وراءه قياما .

(فيه) فوائد غير ما تقدم في الحديث قبله :

(الأولى) قوله فصرع بضم الصاد المهملة وكسر الراء أي سقط عن ظهر الفرس قال في المحكم الصرع الطرح بالأرض وقوله فجحش بضم الجيم وكسر الحاء المهملة بعدها شين معجمة أي قشر جلده وخدش وذكر بعضهم أن الجحش أكبر من الخدش وفي رواية للبخاري فخدش أو فجحش ، وهذا [ ص: 344 ] يقتضي فرقا بينهما إلا أن يكون شكا من الراوي في اللفظ المقول وقال القاضي عياض قد يكون ما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك السقوط رض في الأعضاء وتوجع فلذلك منعه القيام في الصلاة انتهى .

وقوله (شقه) بكسر الشين المعجمة أي جانبه وفي رواية الليث الاقتصار على قوله فجحش وهي في الصحيحين وفي رواية للبخاري عن ابن عيينة حفظت شقه الأيمن فلما خرجنا من عند الزهري قال ابن جريج فجحش ساقه الأيمن انتهى وقوله فجحش ساقه الأيمن لا ينافي قوله في الرواية المشهورة شقه الأيمن لأن الجحش لم يستوعب الشق وإنما كان في بعضه وقد تبين بتلك الرواية أن ذلك البعض هو الساق وفي سنن أبي داود وغيره عن جابر ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا بالمدينة فصرعه على جذع نخلة فانفكت قدمه الحديث فيحتمل أن يقال في الجمع بينه وبين حديث أنس لا مانع من حصول فك القدم وقشر الجلد معا ويحتمل إنهما واقعتان .

(الثانية) قوله فصلى صلاة من الصلوات الظاهر أن المراد من الصلوات المعهودة وهي الخمس وفي رواية مسلم في صحيحه فحضرت الصلاة قال القاضي عياض والنووي وغيرهما : ظاهره أنه صلى بهم صلاة مكتوبة قلت وفي سنن أبي داود من حديث جابر التصريح بأنه صلى بهم صلاة مكتوبة وفي رواية للنسائي صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر وأبو بكر خلفه فإذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر أبو بكر يسمعنا وفي هذا رد على من قال إن هذه الصلاة كانت نفلا وقد أشار إلى ذلك أعني كونها كانت نفلا ابن القاسم صاحب مالك كما حكاه القاضي عياض وغيره .



(الثالثة) فيه صلاة المريض قاعدا وهو مجمع عليه ولا يتوقف ذلك على عدم إمكان القيام بل له الصلاة قاعدا إذا خاف الهلاك أو زيادة المرض أو لحوق مشقة شديدة أو خوف الغرق ودوران الرأس في حق راكب السفينة واختار إمام الحرمين في ضبط العجز أن يلحقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه (الرابعة) قوله فصلينا وراءه قعودا قد يقتضي أنهم قعدوا من أول الأمر وفي الصحيحين من حديث عائشة فصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا وكذا في حديث جابر والجمع بينهما من أوجه :

(أحدها) أنه ذكر في حديث أنس ما آل إليه الأمر من قعودهم بعد أمره لهم بذلك (ثانيها) يحتمل أن بعضهم قعد من [ ص: 345 ] الأول فأخبر عنه أنس وبعضهم قام حتى أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالجلوس فجلس فأخبرت عنه عائشة وجابر ذكره صاحب المفهم (ثالثها) يحتمل أنهما واقعتان .



(الخامسة) قوله فإذا صلى قائما فصلوا قياما أي لمن استطاع ذلك فمن عجز عنه صلى على حسب حاله مع الاقتداء بالإمام القائم وهذا لا خلاف فيه .



(السادسة) فيه أنه يجوز للإمام إذا مرض وعجز عن القيام أن يصلي بنفسه ولا يستخلف لكن الأفضل له الاستخلاف قال الشافعي رضي الله عنه : وإنما اخترت أن يوكل الإمام إذا مرض رجلا صحيحا يصلي بالناس قائما أن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أياما كثيرة وإنا لم نعلمه صلى بالناس جالسا في مرضه إلا مرة واحدة لم يصل بهم بعدها علمته حتى لقي الله عز وجل فدل ذلك على أن التوكيل بهم والصلاة قاعدا جائزان عنده معا وكان ما صلى بهم غيره بأمره أكثر من ذلك انتهى .

ومراد الشافعي بكونه عليه الصلاة والسلام لم يصل بالناس جالسا في مرضه إلا مرة مرض موته فإنه قد صلى بهم في غير مرض الموت غير مرة وهو جالس وهم جلوس كما دلت عليه الأحاديث وكذا ذكر الحنابلة أنه يستحب له الاستخلاف عند العجز عن القيام وعللوه بأن الناس اختلفوا في صحة إمامته فنخرج من الخلاف وبأن صلاة القائم أكمل فيستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة وأجابوا عن هذا الحديث بأنه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك لبيان الجواز واستخلف في الأكثر وبأن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم قاعدا أفضل من الاقتداء بغيره قائما .



(السابعة) تبين بحديث عائشة وجابر أن ذلك لم يكن في المسجد وإنما كان في بيته وكأنه لم يستطع الخروج لعذره ولا يمكن التقدم عليه فصلى بهم وصلى الناس وراءه في منزله قال القاضي عياض والظاهر أن من في المسجد صلى بصلاته لكون منزله في المسجد قال وفيه جواز صلاة الإمام على أرفع مما عليه أصحابه إذا كانت معه جماعة هناك أي لأن في حديث جابر أنه كان في مشربة لعائشة قال وقد روي هذا عن مالك وحمله شيوخنا على تفسيره ما وقع له من الكراهة مجملا وأن منعه من ذلك إنما هو لمن يفعله تكبرا وهو ضد ما وضعت له الصلاة من التواضع والسكينة ولذلك قال لأن هؤلاء يعبثون انتهى .

وهذه الصورة إن صح فيها أن أهل المسجد صلوا مقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 346 ] ليست من صور المنع عند مالك وأبي حنيفة لأنهما يقولان إن كان مع الإمام في العلو طائفة جازت بالذين أسفل وإلا فلا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث