الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


316 - الحديث الثاني : عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت : إني وهبت نفسي لك : فقامت طويلا فقال رجل يا رسول الله ، زوجنيها ، إن لم يكن لك بها حاجة فقال هل عندك من شيء تصدقها ؟ فقال : ما عندي إلا إزاري هذا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إزارك إن أعطيتها جلست ولا إزار لك فالتمس شيئا قال : ما أجد قال : التمس ولو خاتما من حديد فالتمس ، فلم يجد شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل معك شيء من القرآن ؟ قال : نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : زوجتكها بما معك من القرآن } .

التالي السابق


في الحديث دليل على عرض المرأة نفسها على من ترجى بركته .

وقولها " وهبت نفسي لك " مع سكوت النبي صلى الله عليه وسلم : دليل لجواز هبة المرأة نكاحها له صلى الله عليه وسلم كما جاء في الآية فإذا تزوجها على ذلك صح النكاح من غير [ ص: 568 ] صداق ، لا في الحال ولا في المآل ، ولا بالدخول ولا بالوفاة . وهذا هو موضع الخصوصية ، فإن غيره ليس كذلك ، فلا بد من المهر في النكاح ، إما مسمى أو مهر المثل .

واستدل به من أجاز من الشافعية انعقاد نكاحه صلى الله عليه وسلم بلفظ " الهبة " ومنهم من منعه إلا بلفظ النكاح " أو التزويج " كغيره .



وقوله صلى الله عليه وسلم هل عندك من شيء تصدقها ؟ " فيه دليل على طلب الصداق في النكاح وتسميته فيه .

وقوله صلى الله عليه وسلم إزارك ; إن أعطيتها جلست ولا إزار لك " دليل على الإرشاد إلى المصالح من كبير القوم ، والرفق برعيته .

وقوله " فالتمس ولو خاتما من حديد " دليل على الاستحباب ، لئلا يخلى العقد من ذكر الصداق ; لأنه أقطع للنزاع ، وأنفع للمرأة ، فإنه لو حصل الطلاق قبل الدخول : وجب لها نصف المسمى .



واستدل به من يرى جواز الصداق بما قل أو كثر وهو مذهب الشافعي وغيره ، ومذهب مالك : أن أقله ربع دينار ، أو ثلاثة دراهم أو قيمتها . ومذهب أبي حنيفة : أن أقله عشرة دراهم ، ومذهب بعضهم : أن أقله خمسة دراهم



واستدل به على جواز اتخاذ خاتم الحديد ، وفيه خلاف لبعض السلف ، وقد قيل : عن بعض الشافعية كراهته .

وقوله صلى الله عليه وسلم " زوجتكها " اختلف في هذه اللفظة فمنهم من رواها كما ذكر ومنهم من رواها " ملكتها " ومنهم من رواها " ملكتكها " فيستدل بهذه الرواية من يرى انعقاد النكاح بلفظ التمليك ، إلا أن هذه لفظة واحدة في حديث واحد اختلف فيها . والظاهر القوي : أن الواقع أحد الألفاظ ، لا كلها . فالصواب في مثل هذا النظر إلى الترجيح بأحد وجوهه ونقل عن الدارقطني أن الصواب رواية من روى " زوجتكها " ، وأنه قال : وهم أكثر وأحفظ ، وقال بعض المتأخرين : ويحتمل صحة اللفظين ويكون أرجى لفظ التزويج أولا ، فملكها . ثم قال له " اذهب فقد ملكتها " بالتزويج السابق [ ص: 569 ] قلت : هذا أولا بعيد فإن سياق الحديث يقضي تعيين موضع هذه اللفظة التي اختلف فيها ، وأنها التي انعقد بها النكاح وما ذكره يقتضي وقوع أمر آخر انعقد به النكاح واختلاف موضع كل واحد من اللفظين وهو بعيد جدا وأيضا فلخصمه أن يعكس الأمر ، ويقول : كان انعقاد النكاح بلفظ التمليك .

وقوله عليه السلام " زوجتكها " إخبارا عما مضى بمعناه . فإن ذلك التمليك : هو تمليك نكاح .

وأيضا : فإن رواية من روى " ملكتها " التي لم يتعرض لتأويلها : يبعد فيها ما قال ، إلا على سبيل الإخبار عن الماضي بمعناه ولخصمه أن يعكسه ، وإنما الصواب في مثل هذا : أن ينظر إلى الترجيح ، والله أعلم .



وفي لفظ الحديث : متمسك لمن يرى جواز النكاح بتعليم القرآن ، والروايات مختلفة في هذا الموضع أيضا - أعني قوله " بما معك " والناس متنازعون أيضا في تأويله ، فمنهم من يرى أن " الباء " هي التي تقتضي المقابلة في العقود ، كقولك : بعتك كذا بكذا ، وزوجتك بكذا ومنهم من يراها باء السببية ، أي بسبب ما معك من القرآن ، إما بأن يخلى النكاح عن العوض على سبيل التخصيص لهذا الحكم بهذه الواقعة ، وإما بأن يخلى عن ذكره فقط ، ويثبت فيه حكم الشرع في أمر الصداق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث