الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

جواز التفضيل بين الأنبياء إلا إذا كان على وجه الحمية

فإن قيل : يشكل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم : لا تفضلوني على موسى ، فإن الناس يصعقون يوم القيامة ، فأكون أول من يفيق ، فأجد موسى باطشا [ ص: 159 ] بساق العرش ، فلا أدري هل أفاق قبلي ، أو كان ممن استثنى الله ؟ خرجاه في الصحيحين ، فكيف يجمع بين هذا وبين قوله أنا سيد ولد آدم ولا فخر .

فالجواب : أن هذا كان له سبب ، فإنه كان قد قال يهودي : لا والذي اصطفى موسى على البشر ، فلطمه مسلم ، وقال : أتقول هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ؟ فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا ، لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس كان مذموما ، بل نفس الجهاد إذا قاتل الرجل حمية وعصبية كان مذموما ، فإن الله حرم الفخر ، وقد قال تعالى : ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ( الإسراء : 55 ) . وقال تعالى : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ( البقرة : 253 ) . فعلم أن المذموم إنما هو التفضيل على وجه الفخر ، أو على وجه الانتقاص بالمفضول . وعلى هذا يحمل أيضا [ ص: 160 ] قوله صلى الله عليه وسلم : لا تفضلوا بين الأنبياء ، إن كان ثابتا ، فإن هذا قد روي في نفس حديث موسى ، وهو في البخاري وغيره . لكن بعض الناس يقول : إن فيه علة ، بخلاف حديث موسى ، فإنه صحيح لا علة فيه باتفاقهم .

وقد أجاب بعضهم بجواب آخر ، وهو : أن قوله صلى الله عليه وسلم : لا تفضلوني على موسى ، وقوله : لا تفضلوا بين الأنبياء نهي عن التفضيل الخاص ، أي : لا يفضل بعض الرسل على بعض بعينه ، بخلاف قوله : أنا سيد ولد آدم ولا فخر فإنه تفضيل عام فلا يمنع منه . وهذا كما لو قيل : فلان أفضل أهل البلد ، لا يصعب على أفرادهم ، بخلاف ما لو قيل لأحدهم : فلان أفضل منك . ثم إني رأيت الطحاوي رحمه الله قد أجاب بهذا الجواب في شرح معاني الآثار .

[ ص: 161 ] وأما ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تفضلوني على يونس بن متى ، وأن بعض الشيوخ قال : لا يفسر لهم هذا الحديث حتى يعطى مالا جزيلا ، فلما أعطوه فسره بأن قرب يونس من الله وهو في بطن الحوت كقربي من الله ليلة المعراج وعدوا هذا تفسيرا عظيما . وهذا يدل على جهلهم بكلام الله وبكلام رسوله لفظا ومعنى ، فإن هذا الحديث بهذا اللفظ لم يروه أحد من أهل الكتب التي يعتمد عليها ، وإنما اللفظ الذي في الصحيح : لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى . وفي رواية : من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب . وهذا اللفظ يدل على العموم ، لا ينبغي لأحد أن يفضل نفسه على يونس بن متى ، ليس فيه نهي المسلمين أن يفضلوا محمدا على يونس ، وذلك لأن الله تعالى قد أخبر عنه أنه التقمه الحوت وهو مليم ، أي : فاعل ما يلام عليه . وقال تعالى : وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ( الأنبياء : 87 ) . فقد يقع في نفس بعض [ ص: 162 ] الناس أنه أكمل من يونس ، فلا يحتاج إلى هذا المقام ، إذ لا يفعل ما يلام عليه . ومن ظن هذا فقد كذب ، بل كل عبد من عباد الله يقول ما قال يونس : أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، كما قال أول الأنبياء وآخرهم ، فأولهم : آدم ، قد قال : ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ( الأعراف : 23 ) . وآخرهم وأفضلهم وسيدهم : محمد صلى الله عليه وسلم ، قال في الحديث الصحيح ، حديث الاستفتاح ، من رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره ، بعد قوله ( وجهت وجهي ) إلى آخره : اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ، أنت ربي وأنا عبدك ، ظلمت نفسي ، واعترفت بذنبي ، فاغفر لي ذنوبي جميعا ، لا يغفر الذنوب إلا أنت ، إلى آخر الحديث ، وكذا قال موسى عليه السلام : رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ( القصص : 16 ) . وأيضا : فيونس صلى الله عليه وسلم لما قيل فيه : فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت ( القلم : 48 ) ، فنهي نبينا صلى الله عليه وسلم عن التشبه به ، وأمره بالتشبه بأولي العزم حيث قيل له : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ( الأحقاف : 35 ) ، فقد يقول من يقول : أنا خير من يونس : وليس للأفضل أن يفخر على من دونه ، فكيف إذا لم يكن أفضل ، فإن الله لا يحب كل مختال فخور ، وفي صحيحمسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أوحي إلي [ ص: 163 ] أن تواضعوا ، حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغي أحد على أحد . فالله تعالى نهى أن يفخر على عموم المؤمنين ، فكيف على نبي كريم ؟ فلهذا قال : لا ينبغي لعبد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى . فهذا نهي عام لكل أحد أن يتفضل ويفتخر على يونس . وقوله : من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب ، فإنه لو قدر أنه كان أفضل ، فهذا الكلام يصير نقصا ، فيكون كاذبا ، وهذا لا يقوله نبي كريم ، بل هو تقدير مطلق ، أي : من قال هذا فهو كاذب ، وإن كان لا يقوله نبي ، كما قال تعالى : لئن أشركت ليحبطن عملك ( الزمر : 65 ) ، وإن كان صلى الله عليه وسلم معصوما من الشرك ، لكن الوعد والوعيد لبيان مقادير الأعمال .

وإنما أخبر صلى الله عليه وسلم أنه سيد ولد آدم ، لأنا لا يمكننا أن نعلم ذلك إلا بخبره ، إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله ، كما أخبرنا هو بفضائل الأنبياء قبله ، صلى الله عليهم وسلم أجمعين . ولهذا أتبعه بقوله ولا فخر ، كما جاء في رواية . وهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر : أن مقام الذي أسري به إلى ربه وهو مقرب معظم مكرم - كمقام الذي ألقي في بطن الحوت وهو مليم ؟ ! وأين المعظم المقرب من الممتحن المؤدب ؟ ! فهذا في غاية التقريب ، وهذا في غاية التأديب . فانظر إلى هذا الاستدلال ، لأنه بهذا المعنى المحرف للفظ لم يقله الرسول ، [ ص: 164 ] وهل يقاوم هذا الدليل على نفي علو الله تعالى عن خلقه الأدلة الصحيحة الصريحة القطعية على علو الله تعالى على خلقه ، التي تزيد على ألف دليل ، كما يأتي الإشارة إليها عند قول الشيخ رحمه الله ( محيط بكل شيء وفوقه ) ، إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث