الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الأول والثاني المتعاقدان

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

الباب الأول في أركانه ، وهي خمسة : الأول والثاني : المتعاقدان ، وفي الجواهر : لا يشترط فيهما إلا ما يشترط في الوكيل والموكل ، ولو قارض العامل بغير إذنك فهو متعد ; لأنك لم تؤمن [ ص: 26 ] الغير ، ويجوز تعدد العامل والمالك بشرط توزيع الربح بين العمال بقدر الأعمال : كتوزيع الأثمان على السلع .

فرع : في الكتاب : للمأذون دفع القراض وأخذه ; لأنه تجارة ولا يضمنه المأذون ، قال ابن يونس : قال أشهب : القراض إجارة فلا يأخذه كما لا يؤجر نفسه ، وإذا أخذ قراضا ، فالربح كخراجه ; لأنه بيع منافعه ، فلا يقضي منه دينه ولا يتبعه إن عتق ، قال اللخمي : فإن قارض غير المأذون فلسيده الأكثر من المسمى أو قراض المثل ، أو أجرة المثل ، لرضاه بالمسمى أو استيفاء المنفعة .

فرع : في الكتاب لك مقارضة عبدك وأجيرك إذا كان مثل العبد ; لأنه استيفاء منفعة ، ومنع سحنون الأجير ; لأنه فسخ دين في دين ، وللمكاتب أن يبضع ويدفع قراضا ويأخذه ; لأنه تنمية لماله ، قال صاحب التنبيهات : قال ابن ميسر : منع سحنون ; لأن القراض أخف مما استأجر له فألحقها بمصلحة اشترطها العامل لنفسه ، وقيل : معنى قول ابن القاسم : إن الأجير باق على الخدمة ، وهو يتجر [ ص: 27 ] في خلالها إذ وجد سلعة ابتاعها ، وقال يحيى بن عمر : إن استأجره ليتجر له ، جاز القراض ; لأنه من المنفعة الأولى ، وللخدمة امتنع ، أو ليقارضه امتنع أيضا ; لأن عمل القراض غير منضبط ، وقيل : معنى قول ابن القاسم : إنه ملك جميع خدمته ، فصار كالعبد ، وما استأجره فيه بعضه عمل القراض وهو نحو قول يحيى : قال صاحب النكت : قيل : معنى قول ابن القاسم : إن كان مثل العبد أنه استأجره ليجيئه بالغلة ولم يؤقت عليه ما يأتيه به ، بل يتخير بالسوق فلم ينقله بالقراض من عمل إلى عمل ، بل أسقط عنه بعض الربح ، ولو كان عملا بعينه كالبناء امتنع كما قال سحنون .

فرع : في الكتاب للعامل أخذ قراض من رجل آخر إن كان لا يشغله عن الأول ; لأنه مالك لمنافع نفسه ، وإلا فلا لالتزامه مقتضى العقد الأول ، وجوزه ( ش ) مطلقا كالوكالة ، ومنعه أحمد مطلقا صونا للعقد الأول عن الخلل .

فرع : في الكتاب لا أحب مقارضة من يستحل الحرام ، أو لا يعرفه - وإن كان مسلما ، قال اللخمي : أما الجاهل بالصرف وبيع الطعام قبل قبضه ونحوهما فيتصدق بالربح غير من جبر ، إلا أن يعلم أنه عمل بذلك فيجبر على الصدقة بالفضل لفساد العقد ، وإن توقع تجره فيما لا يجوز بيعه استحب الصدقة برأس المال والربح ، [ ص: 28 ] فإن علم ذلك أجبر على التصدق بالجميع ; لأنه أخذه فيما لا يقابل بالمال ، فالمال باق على ملك ربه .

قاعدة : الأموال المحرمة من الغصوب وغيرها إذا علمت أربابها ردت إليهم ، وإلا فهي من أموال بيت المال تصرف في مصارفه الأولى فالأولى من الأبواب والأشخاص على ما يقتضيه نظر الصارف من الإمام أو نوابه أو من حصل ذلك عنده من المسلمين ، فلا تتعين الصدقة ، قد يكون الغزو أولى في وقت ، أو بناء جامع ، أو قنطرة ، فتحرم الصدقة ، لتعيين غيرها من المصالح ، وإنما يذكر الأصحاب الصدقة في فتاويهم في هذه الأمور ; لأنها الغالب ، وإلا فالأمر - كما ذكرته لك .

قاعدة : كل من فعل فعلا ، أو قال قولا ، أو تصرف تصرفا من المعاملات أو غيرها ، لا يجوز له الإقدام عليه حتى يعلم حكم الله تعالى في ذلك ، فإن تعلم وعمل أطاع الله تعالى طاعتين بالتعلم الواجب وبالعمل إن كان قربة ، وإلا فبالتعلم فقط ، وإن لم يتعلم ولم يعمل فقد عصى الله معصيتين بترك التعلم وبترك العمل إن كان واجبا ، وإلا فبترك التعلم فقط ، وإن تعلم ولم يعمل ، أطاع الله تعالى بالتعلم الواجب وعصى بترك العمل إن كان واجبا ، وإلا فلا ، ونقل الإجماع على هذه القاعدة الشافعي - رضي الله عنه - في رسالته ، والغزالي في إحياء علوم الدين ، وهذا القسم هو من العلم فرض عين وهو علمك بحالتك التي [ ص: 29 ] أنت فيها ، وعليه يحمل قوله عليه السلام طلب العلم فريضة على كل مسلم ، وما عدا هذا القسم فرض كفاية ، فلهذه القاعدة حرم على الجاهل كسبه الحرام كالعامد . سؤال : من شرب خمرا يظنه خلا أو وطئ أجنبية يعتقدها مباحة ، أو أكل طعاما نجسا يعتقده طاهرا يعذر بجهله في ذلك كله وفي المعاملات وغيرها لا يعذر ويأثم ، فما ضابط القسمين ؟ .

قاعدة : الجهل قسمان : منه ما يتعذر الاحتراز منه غالبا أو فيه مشقة فجعله الشرع عذرا لمن ابتلي به ، وهو تلك المثل ونحوها ، ومنه ما ليس كذلك فلا يعذر به ، فالفحص عن طهارة المأكولات وحل كل عقد تناولها بعسر على الناس ، وكذلك سائر النظائر وإلا فالأصل أن الجهل لا يجدي خيرا ولا يكون عذرا .

فرع : في الكتاب أكره للمسلم أخذ قراض الذمي أو مساقاته للمذمة وليس بحرام ، وأباحه ( ش ) ; لأنك تعمل بالحلال ، وكره دفعك له ; لأنه يعمل بالحرام ، وأجازه مالك مساقيا إن كان لا يعصر حصته خمرا . قال ابن يونس : قال محمد : إذا قارضت ذميا عالما به يفسخ قبل العمل ويمضي بعده حتى ينض المال فيفسخ ، وإذا كان النصراني عاملا فسخ ، قال سحنون : إذا قارض نصراني نصرانيا فاشترى خمرا فأسلم رب المال والخمر قائمة بيد العامل ، فقال رب المال [ ص: 30 ] قارضتك بمال فادفع إلي مالي والخمر اكسرها ، يعطى للعامل قدر حصته من الربح خمرا ويراق ما يخص المسلم ، وإذا كان النصراني عاملا فاشترى خمرا ، هل يضمن لدخوله على بياعات المسلمين وقاله ( ش ) كأحد الروايتين في منع المسلم امرأته الذمية من الكنيسة وشرب الخمر ، ولا يكون متعديا ; لقوله في " المدونة " ولا يمنعها ; لأن ذلك في دينهم ، قال : والأول أشبه ; لأنه متلف للمال ، بخلاف الزوجة ، قال اللخمي : وإذا كان الذمي العامل يعصر نصيبه خمرا يختلف هل يفسخ أو يمضى ويباع نصيبه عليه إذا تم العمل ولو لم ينظر فيه حتى تم لكان له المسمى ويباع ذلك المسمى .

فرع : قال ابن يونس : قال في الكتاب لا يعجبني عمل الوصي بمال اليتيم مضاربة للتهمة ، وليقارض له غيره ، فإن أخذه لنفسه بغير محاباة مضى ، وإلا رد إلى قراض مثله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث