الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثاني في أحكامه

جزء التالي صفحة
السابق

فرع : منع مالك وأصحابه مع القراض شرط سلف أو بيع أو كراء أو إجارة أو قضاء حاجة ; لأنها إجارة بأجرة مجهولة ، ولا يشترط أحدكما لنفسه شيئا خالصا ; لأنه غرر ، فإذا نزل ذلك فهو أجير إلا أن يسقط الشرط قبل العمل ، قال صاحب المقدمات : شروط القراض ثلاثة أقسام : ما يخرجه عن سنة [ ص: 72 ] القراض وما لا يخرجه - وهو قسمان ما يجوز ابتداء من غير كراهة مثل أن لا يشتري حيوانا ولا يركب البحر ، ولا يخرج من البلد ونحوه ، وما يكره ابتداء ، فإن نزل مضى كالتجار ينزلون بمكان فيعطي أحدهم الآخر المال على أن يشتري ويبيع منهم ونحوه ، وما يفسده يفسخ به قبل العقد وبعده ، ويرد إلى مساقاة المثل أو قراض المثل ، بخلاف المساقاة التي يرد فيها إلى مساقاة المثل ، لا تفسخ بعد العقد ، وحيث يفسخ فيتمادى في بيع عروض القراض حتى ينض المال .

وحكى عبد الحق عن بعض الصقليين : لا يفسخ ما يرد فيه إلى قراض المثل بعد العمل - كالمساقاة - يريد إذا عثر عليه بعد الشغل في السلع لا يردها سلفا ولا يجبر على بيعها إلا في سوقها ، ولا يريد التمادي بعد نضوض المال فليس حينئذ خلافا لقول ابن حبيب ومحمد المتقدم ، والفرق : أن المساقاة لها أجل فينتظر ، وإن كان أعواما ، والقراض لا أجل له بل نضوض المال ، فإذا شرع استوى قراض المثل ومساقاة المثل في التمادي إلى الأجل المعين اللآئق بهما ، وفي الكتاب إذا شرطت أن يسلفك العامل فهو أجر الربح ; لأنه نفع ، فلو اشترطت إخراج مال من عنده يعمل به مع مالك امتنع ، لانتفاعك بتكثير المال ، قال ابن يونس : قال أصبغ : إلا أن يقل حتى لا يقصد به التكثر ، وإن وقع الكثير أمضيته على قراضهما ما لم يقصد تكثير الربح . قال اللخمي : إذا شرطت عليه ضمان المال - إن هلك ، وأنه غير مصدق في دعوى الهلاك - سقط الشرط ولم يضمن ، وله قراض المثل عند ابن القاسم ، وقال مالك : الأقل من المسمى أو من قراض المثل .

فرع : في الكتاب يمتنع بيعك عبدا من القراض بغير إذن العامل وله رده [ ص: 73 ] وإجازته ; لأن العمل مفوض إليه بعقد يوجب استحقاقه ، بخلاف الوكيل فلا ينزع التصرف من يده كالأجير ولم يوقفه ( ح ) على إجازته كالوكيل .

فرع : في الكتاب يكره أخذ القراض على أن لا يشتري به حتى يبلغ ذلك البلد المعين ; لأنه تحجير ، قال ابن يونس : وعند ابن القاسم جوازه ; لأنه قد يكون مقصد القراض ، قال اللخمي : سفر العامل ومنعه ستة أقسام إن لم يشترط المقام ولا السفر فله السفر عند مالك ; لأنه شأن القراض وقاله : ( ح ) ، ومنع ( ش ) السفر إلا بإذنك للغرر بالمال في البراري والبحار وجوابه الإذن العادي حاصل في ذلك ، ووافق ابن حبيب ( ش ) ، قال : والحق أنه إن كان شأنه السفر سافر ، أو صانعا أو مديرا شأنه الإقامة لا يسافر ، وإن حجر عليه في السفر جاز وقيل : يمتنع ; لأن المتجر قد يضيق عليه كلاهما لمالك ، فإن خالف فهو متعد ضامن ، وإن أباح له السفر مطلقا أو موضعا معينا أو المواضع إلا موضعا معينا جاز ، وإن شرط عليه السفر ومنعه من التجر في البلد ، منعه ابن القاسم ، وأجازه أصبغ ، وعلى أصله يجوز أن يقارضه فيما يدخر يجوز ; لأن تأخيره كالتأخير عن البلد ولو كان شأنه السفر فاشترى ما يجلس به للتجارة فهو متعد ، وكذلك لو كان بزازا فاشترى غير شأنه .

فرع : في الكتاب يمتنع بيعه بالنسيئة إلا بإذنك خلافا ( ح ) فإن فعل ضمن ; لأنه الذي غرر بالمال ، وإن احتال بالثمن على مالئ أو معدم إلى أجل ضمن قيمته [ ص: 74 ] يوم البيع إذا تلف ، وإذا باع بالنقد فاحتال ضمن الثمن بعينه .

فرع : في الكتاب لا يشترط عليه أن لا يشتري إلا البز للتحجير ، إلا أن يكون موجودا في الشتاء والصيف ، وقاله : ( ش ) ، وجوزه ( ح ) في النادر كالوكالة وحيث جاز الشرط فلا يتعداه ولا يبيع البز بعرض غيره لئلا يبتاع غير البز ، وله اشتراط ذلك بعد أخذ المال وقبل تحريكه في شيء ، ولك اشتراط أن لا ينزل واديا ولا يسير ليلا ولا في بحر ولا يشتري سلعة كذا ، فإن فعل ضمن ، فإن اشترطت أن لا يشتري سلعة بعد العقد فاشتراها ضمن ، ولك أخذها للقراض ; لأنه شراء فضولي - تصح إجارته ولك تضمينه المال ، فلو باعها فالربح على شرطكما ، والوضيعة عليه خاصة للمخالفة ، وكذلك إن سلف من المال ما اشترى بها سلعة لنفسه ، ضمن الخسران للشراء لنفسه - والربح بينكما للشراء بمال القراض ، وإذا اشترى المنهي عنه فحصل فيه وضيعة ، أو تجر بما تعدى فيه فخسر فقال غرماؤه : أنت أسوتنا ، إن ضمنته فأنت أحق بالعين منهم ; لأنه مالك وإن شئت أن تشركه في السلع أو تسلمها أو تضمنه رأس المال ، فإن أسلمتها كنت أسوة بالغرماء ، وإن نهيته عن الخروج بالمال من مصر فخرج به ورده عينا قبل أن يتجر فيه ، فتجر بمصر فخسر أو ضاع ، لم يضمن لرده قبل تحريكه ، كراد الوديعة بعد إنفاقها ، وإن هلكت بعد تجهزه للسفر ، فله الخروج لحقه في ذلك بالعقد ، فإن شرطت للعمل حانوتا معينا أو سوقا أو لا يشتري إلا من فلان ، أو على أن يزرع امتنع للحجر وهو أجير ، والزرع والربح والخسارة لك وعليك ، قال صاحب القبس : لا يشتري إلا من فلان وهو متسع الحال يجوز عند أصحابنا [ ص: 75 ] قياسا على الصنف المتسع . قال ابن يونس : إن لم يشغل حتى نهاه عن التجر فاشترى متعديا ضمن المال والربح له كالمشتري بوديعة سلعة ، بخلاف نهيه عن سلعة فيشتريها ; لأنه مأذون له في حركة المال من حيث الجملة فليس له أن يستبد بالربح بتعديه ، وهذا ما لم يقر بشرائها للقراض ، وإلا فالربح على القراض ، ولا يخرجه ذلك من الضمان ، وليس له منعه من السفر بعد الشراء ، لتعلق حقه بالسفر ، قال اللخمي : لك نهيه على أحد القولين بعد شغل المال فيما لا غاية له كالكراء مشاهرة ، واختلف إذا اشترطت عليه أن يزرع به فأجيز وكره ، فإن زرع من غير شرط جاز ، فإن خسر ; لأنه لم يتم أو لرخص السعر لم يضمن ، وإن ظلم ظلما حادثا لم يضمن ، أو متقدما وهو عالم به ضمن كانت الخسارة من الزرع أو الظلم ; لتعديه في أصل فعله ، والثمن في ذمته في أول ما زرع ، وإن عمل مساقاة بشرط فعلى الخلاف ، أو بغير شرط جاز على ما تقدم في الزرع ، وإن أخذه على أن لا يتجر إلا في البز فتجر في غيره فخسر ضمن ، أو ربح فعلى القراض ; لأنه لا يجوز الربح بتعديه ، والقياس أن له الأقل من ثلاثة : المسمى ، أو قراض المثل ، أو أجرة المثل . قال التونسي : إن تعدى فأسلم في طعام ، قال ابن القاسم : يغرم رأس المال وينتظر بالطعام حتى يقبض ، فإن كان فيه ربح اقتسماه ، وفي كتاب محمد إذا قام غرماؤك بعد خروجه بالمال وأمكن بيع السلع بيعت وأخذه الغرماء ، وأما غرماؤك فلا شيء لهم إلا بعد وصول المال إليك لعدم استحقاقه قبل ذلك ، قال : والأشبه ألا يكون ذلك أيضا لغرمائك لتعلق حقه ويمتنع أن [ ص: 76 ] يشترط عليه شراء حيوان للنسل أو للغلة ، أو يشتري بدين ، للتحجير وما تسلف أو اشتراه بدين بأكثر من رأس مال القراض ، فربحه له دونك ; لأنه ضمن الأصل ، ولو اشترى ظهرا فأكراه ضمنه ابن القاسم ، وإن لم يشترط عليه غرم ذلك ، بخلاف أن يزرع ; لأن الغالب أن القراض لا يقصد لذلك ، قال : مع أن هذا الفرق يشاركه الزرع فيه . قال صاحب النكت : إذا أخذ المال ليشتري به سلعة أي أخذه قبل شراها ولم يسمها لك ولا بائعها بل قال : وجدت سلعة رخيصة فأعطى ثمنها جاز ، وقد فعله عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ، وإن قلت : اشتر لي سلعة فلان امتنع ; لأنه قراض على أن لا يشتري إلا سلعة معينة فإن نزل غرم مثل المال الذي قبض والسلعة له ، وينبغي أن يكون في هذا القراض أجيرا وقاله محمد ، وإنما يغرم مثل ما قبض إذا اشترى ولم ينقد .

فرع : في الكتاب لا يشتري بأكثر من رأس المال ليضمن ما زاد دينا في القراض ; لأن سنة القراض ألا يشتري عليه بالدين فالربح حينئذ لك ، وإن اشترى بأكثر من رأس المال ونقد فهو شريك بما زاد ; لأنه ضم قراض إلى قراض ، وإن كان الزائد دينا عليه لا على القراض ، قوم بالنقد وشارك بالقيمة ، قال صاحب التنبيهات : قوله إذا كان رأس المال ألفا فاشترى بألفين يكون شريكا ، قال ابن لبابة : معناه اشترى بالزائد لنفسه ، ولو اشترى للقراض خيرت كما قاله في الكتاب ، وقال فضل : بل لو اشترى للقراض ، ومعنى قوله شريكا : أن لرب المال [ ص: 77 ] الدفع . قال ابن يونس وإذا اشترى بدين على القراض ، قال محمد : يكون ربح السلعة التي اشتريت بذلك خاصة وخسارتها له وعليه لضمانه قيمتها ، ويمتنع أن يبتاع زائدا ويطلب منك الثمن على القراض لتعلق ثمنها بذمته عند الشراء ، ويمتنع أن يشتري حتى يبيع ويوفيه ; لأنه دين على القراض ، قال محمد : يمتنع الشراء بالدين على القراض والسلف علي أذنت فيه أم لا ; لأنك تأخذ ربح ما ضمنه في ذمته ، لا ربح مالك ، قال ابن القاسم : لو اشترى بمال القراض وهو في بيته واستلف ما نقد منك أو من أجنبي فنقد ، ثم باعها واشترى بمال القراض فربح السلعتين وخسارتهما أو إحداهما في القراض ، ويجبر خسارة إحداهما بالربح في الأخرى ; لأنه كان يمكنه نقده عاجلا ، وعن مالك : إذا اشترى قراضا دينا عليه ، قومت السلعة المشتراة بذلك الزائد ، وأنكره سحنون بل يقوم الزائد كما ذكره في الكتاب ; لأنه الذي حصلت به الشركة ، قال اللخمي : إن لم يكن مديرا فكما تقدم في التداين على القراض ، والإجاز على أن يشتري بما ليس معه على النقد ليدفع من القراض ; لأنه لا يستغني عن ذلك .

فرع : في الكتاب إذا عجز بعض الثمن فأخذ من رجل قراضا فنقده بها لم أحب ذلك ، لئلا يكون قد استغلاها ، وإن سألك أن تنقد عنه ثمن سلعة ويكون قراضا بينكما امتنع ; لأنه سلف للنفع ولك مالك والربح والخسارة له وعليه لفساد العقد ، قال ابن يونس : قال محمد : إن لم يكن استغلاها إذا عجز بعض الثمن أجزته وأكرهه ابتداء ، قال ابن حبيب : إن انكشف أنه استغلاها رجع عليه [ ص: 78 ] بالزيادة على قيمتها يوم الشراء دون يوم البيع ، قال محمد : لو كان أخذ مالك لينقده في سلعته على أنها قراض قبل أن يستوجبها وتجر ، عليه ضمانها وإن لم يسمها جاز ، كأصل القراض .

فرع : في الكتاب إذا قيم عليه بالعيب فحط أكثر من قيمته أو أقل أو اشترى من والده ، فما كان نظرا بغير محاباة جاز ، ولو اشترى بجميع المال عبدا فرده بعيب فرضيته منعت ; لأن له حقا في جبر الخسارة بفضله ، إلا أن يقول أنت إن لم ترض أترك القراض ، ولو رضي هو بالعيب على وجه النظر ، جاز لتفويض الأمر إليه دونك .

فرع : في الكتاب إذا نقد الثمن بغير بينة فجحده البائع ضمن ، وكذلك الوكيل ، فلو علمت قبضه للثمن بإقراره ، فلك تغريمهما لتعديهما ، إلا أن يدفعا المال بحضرتك ; لأنه حينئذ برضاك فلا تعدي ، قال ابن يونس : قيل : إن دفع الثمن قبل قبض السلعة ، غرم قيمتها لتفريطه .

فرع : قال ابن يونس : قال في الكتاب : لو قتل عبدا من القراض عبد لرجل فاختلفتما في القصاص والعفو على مال ، قدم العافي وجعل المأخوذ قراضا موضع العبد ; لأنه أقرب لوضع القراض ، وقال ( ش ) إن لم يكن في المال ربح قبل القتل فلك القصاص لعدم حق العامل ، وإن عفوت على مال ، فهو موضعه للقراض ، [ ص: 79 ] وإلا فليس لك القصاص إلا برضاه ، ولو قتله سيده ، فقيمته في القراض ، قال اللخمي : إذا كان بعض المال واتفقا على القصاص جاز ، ولا يحط من رأس المال كالذي يهلك منه ، وإن طلبت القصاص والمقتول جميع المال ولا فضل فيه ، وقال سيد القاتل : أفتدي أو أسلم قدمت ; لأنك مالك ، ولا حق للعامل حينئذ وإن كان في المقتول فضل ، وقال سيد القاتل : أفتدي أو في القاتل فضل وقال أسلمه ، قدم العامل في عدم القتل لحقه في المال ، ولا يقبل قول العامل في القصاص - كان فيه فضل أم لا ، لاختصاص تصرفه بتنمية المال ، قال صاحب التنبيهات : قوله في الكتاب : لك القصاص إذا لم يكن في العبد فضل ، قال ابن سلمة : كيف يكون ذلك لك والعامل يتوقع ارتفاع سوقه ، قال صاحب التنبيهات : تأمل قوله في الكتاب : وهذا في القتل ، فإنه يدل على أن الجراح بخلافه ، قالوا : لأن في القتل مفاصلة ، وفي الجراح يبقى العبد بيد العامل فيكون القصاص تنقيصا لرأس المال ويجبره العامل بالربح .

فرع : قال اللخمي : إذا تجر في القراض لنفسه ضمن الخسارة والتلف لتعديه ، والربح على القراض إن كان التجر في وقت الإذن ; لأن تعديه لا يملك الربح ، وإلا فله ، لتمحض الغصب ، وإن أخذه ليعمل به في البلد في صنف بعينه وأمكنه العمل فيه فاشترى غيره فالربح على القراض ، والقياس على الأقل من المسمى أو قراض المثل نظرا للعقد ، ولكونه عمل على غير المستأجر عليه ، وإن تجر لنفسه حين تعذر التجر في ذلك الصنف ; فالربح له لانتفاء الإذن بالتعذر ، [ ص: 80 ] وإن تجر في ذلك الصنف وباعه واشترى غيره وكان أخذه للمال على وجبة واحدة وربح ، فالصفقة الثانية له إلا أن يحسبه عنك فيكون له كالغصب ، وإن أخذه ليشتري به من البلد الذي يخرج إليه فاشترى قبل خروجه وباعه هناك ; فالربح والوضيعة له وعليه ; لانتفاء الإذن من الشراء ، وإن قارضته ليشتري عبد فلان فسد العقد ، فإن اشترى غيره لنفسه بعد امتناع سيد العبد من بيعه ، فالربح له ; لانتفاء الإذن والتمكن ، وإن كان قبل طلبه ويعلم أنه يبيعه ، فالربح للقراض ; لأنه لا يأخذ الربح بتعديه مع إمكان المأذون فيه .

فرع : قال اللخمي : يمتنع بيع أحدكما عرض القراض قبل ، أو أن يبيعه ويرد ; لأنه مناقض لمقصود القراض ، فإن فات به المشتري مضى بالثمن ، قال والقياس أن يغرمك العامل ما يتوقعه من الربح إن بعت .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث