الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 402 ] الطبقة الرابعة من التابعين

منصور بن المعتمر ( ع )

الحافظ الثبت القدوة أبو عتاب السلمي الكوفي أحد الأعلام . قال أبو عبيد القاسم بن سلام : هو من بني بهثة بن سليم من رهط العباس بن مرداس السلمي .

قلت : يروي عن أبي وائل ، وربعي بن حراش ، وإبراهيم النخعي ، وخيثمة بن عبد الرحمن ، وهلال بن يساف ، وزيد بن وهب ، وذر بن عبد الله ، وكريب ، وأبي الضحى ، وأبي صالح باذام ، وأبي حازم الأشجعي ، وسعيد بن جبير ، وعامر الشعبي ، ومجاهد ، وعبد الله بن مرة ، وطبقتهم . وما علمت له رحلة ولا رواية عن أحد من الصحابة ، وبلا شك كان عنده بالكوفة بقايا الصحابة ، وهو رجل شاب مثل عبد الله بن أبي أوفى ، وعمرو بن حريث إلا أنه كان من أوعية العلم ، صاحب إتقان وتأله وخير . وينزل في الرواية إلى الزهري ، وخالد الحذاء ، ويفضلونه على الأعمش .

وقيل : أصح الأسانيد مطلقا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن ابن مسعود .

[ ص: 403 ] حدث عنه خلق كثير ، منهم حصين بن عبد الرحمن وهو ابن عمه ، وأيوب السختياني ، وسليمان الأعمش ، وسليمان التيمي ، وهم من أقرانه ، وشعبة ، وسفيان الثوري ، وشيبان النحوي ، وشريك القاضي ، ومعمر بن راشد ، وإبراهيم بن أدهم ، والفضيل بن عياض ، وأسباط بن نصر ، وإسرائيل ، وجعفر بن زياد الأحمر ، والحسن بن صالح بن حي ، ومفضل بن مهلهل ، وهريم بن سفيان ، وورقاء بن عمر ، وزائدة بن قدامة ، ووهيب بن خالد ، وأبو حمزة محمد بن ميمون المروزي ، والجراح بن مليح أبو وكيع ، والحكم بن هشام الثقفي ، وسلام بن أبي مطيع ، والقاسم بن معن المسعودي ، ومعلى بن هلال الطحان ، وأبو عوانة الوضاح ، وأبو المحياة يحيى بن يعلى التيمي ، وعبدة بن حميد ، وعمر بن عبد الرحمن الأبار ، وأبو الأحوص سلام ، وجرير بن عبد الحميد ، ومعتمر بن سليمان ، وسفيان بن عيينة .

روى شعبة ، عن منصور قال : ما كتبت حديثا قط . وقال عبد الرحمن بن مهدي : لم يكن بالكوفة أحد أحفظ من منصور . أجاز لنا ابن البخاري ، أنبأنا ابن طبرزد ، أنبأنا عبد الوهاب الأنماطي ، أنبأنا الصريفيني ، أنبأنا ابن حبابة ، حدثنا البغوي ، حدثني إبراهيم بن عبد الله القصار ، حدثنا مصعب بن المقدام ، عن زائدة قال : قلت لمنصور بن المعتمر : اليوم الذي أصوم أقع في الأمراء ؟ قال : لا . قلت : فأقع فيمن يتناول أبا بكر وعمر ؟ قال : نعم .

وبه إلى البغوي : حدثني ابن زنجويه ، سمعت إبراهيم بن مهدي سمعت أبا الأحوص قال : قالت بنت لجار منصور بن المعتمر : . يا أبت أين الخشبة التي كانت في سطح منصور قائمة ؟ قال : يا بنية ذاك منصور ، كان يقوم الليل . حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، رأيت منصورا إذا قام [ ص: 404 ] في الصلاة عقد لحيته في صدره .

حدثني أبو سعيد ، حدثنا عبد الله بن الأجلح . قال : رأيت منصورا أحسن الناس قياما في الصلاة ، وكان يخضب بالحناء .

حدثني العباس بن محمد ، حدثنا أبو بكر بن أبي الأسود ، سمعت ابن مهدي يقول : لم يكن بالكوفة أثبت من أربعة فبدأ بمنصور ، وأبي حصين ، وسلمة بن كهيل ، وعمرو بن مرة . قال : وكان منصور أثبتهم .

حدثنا أحمد بن عمران الأخنسي : سمعت أبا بكر بن عياش يقول : رحم الله منصورا ، كان صواما قواما .

قال يحيى بن معين : لم يكن أحد أعلم بحديث منصور من الثوري . وقد روى حصين ، عن منصور ، وكان حصين أسن منه .

وقال هشيم : سئل حصين : أنت أكبر أم منصور ؟ قال : إني لأذكر ليلة زفت أم منصور إلى أبيه . أبو بكر بن عياش ، عن مغيرة قال : اختلف منصور إلى إبراهيم وهو من أعبد الناس ، فلما أخذ في الآثار ، فتر . وبه قال البغوي : حدثنا الأخنسي ، سمعت أبا بكر يقول : لو رأيت منصور بن المعتمر ، وربيع بن أبي راشد ، وعاصم بن أبي النجود في الصلاة ، قد وضعوا لحاهم على صدورهم ، عرفت أنهم من أبزار الصلاة .

ابن المديني ، عن يحيى ، وسئل عن أصحاب إبراهيم أيهم أحب إليك ؟ فقال : إذا جاءك منصور ، فقد ملأت يديك لا تريد غيره .

كان سفيان يقول : كنت لا أحدث الأعمش عن أحد إلا رده ، فإذا قلت : منصور ، سكت [ ص: 405 ] حجاج بن محمد : سمعت شعبة يقول : قال منصور : وددت أني كتبت وأن علي كذا وكذا ، قد ذهب مني مثل علمي .

وقال يحيى القطان : منصور أحسن حديثا عن مجاهد من ابن أبي نجيح . وبه إلى البغوي : حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، حدثنا شريك ، حدثنا منصور ، ولو أن غير منصور حدثني ما قبلته منه ، ولقد سألته عنه ، فأبى أن يحدثني ، فلما جرت بيني وبينه المعرفة ، كان هو الذي ابتدأني ، قال : حدثنا ربعي قال : حدثنا علي -رضي الله عنه- قال : اجتمعت قريش إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيهم سهيل بن عمرو ، فقالوا : يا محمد ، أرقاؤنا لحقوا بك ، فارددهم علينا ، فغضب حتى رئي الغضب في وجهه وذكر الحديث .

حدثنا علي بن سهل ، حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة قال : لما ولي منصور بن المعتمر القضاء ، كان يأتيه الخصمان ، فيقص ذا قصته ، وذا قصته ، فيقول : قد فهمت ما قلتما ، ولست أدري ما أرد عليكما ، فبلغ ذلك خالد بن عبد الله أو ابن هبيرة ، وهو الذي كان ولاه ، فقال : . هذا أمر لا ينفع إلا من أعان عليه بشهوة ، قال يعني : فعزله .

حدثنا الأخنسي ، سمعت أبا بكر يقول : كنت مع منصور جالسا في منزله ، فتصيح به أمه ، وكانت فظة عليه ، فتقول : يا منصور يريدك ابن هبيرة على القضاء فتأبى ، وهو واضع لحيته على صدره ، ما يرفع طرفه إليها .

قال يحيى بن معين : منصور أثبت من الحكم .

[ ص: 406 ] يحيى القطان ، عن الثوري قال : لو رأيت منصور بن المعتمر ، لقلت : يموت الساعة .

وقال زائدة : امتنع منصور من القضاء ، فدخلت عليه وقد جيء بالقيد ليقيد ، فجاءه خصمان ، فقعدا ، فلم يسألهما ولم يكلمهما ، فقيل ليوسف بن عمر : لو نثرت لحمه لم يل القضاء ، فتركه . يحيى القطان عن شعبة : سألت منصورا وأيوب عن القراءة ، يعني : قراءة الحديث ، فقالا : جيدة . ابن معين : سمعت جريرا يقول : كان منصور إذا رأى معي رقعة ، يقول : لا تكتب عني ، فأتركه ، وآتي مغيرة .

قال العلاء بن سالم : كان منصور يصلي في سطحه ، فلما مات ، قال غلام لأمه : يا أمه الجذع الذي في سطح آل فلان ، ليس أراه ، قالت : يا بني ليس ذاك بجذع ، ذاك منصور ، وقد مات -رحمه الله .

قال خلف بن تميم : حدثنا زائدة ، أن منصورا صام أربعين سنة ، وقام ليلها ، وكان يبكي ، فتقول له أمه يا بني : قتلت قتيلا ؟ فيقول : أنا أعلم بما صنعت بنفسي ، فإذا كان الصبح ، كحل عينيه ، ودهن رأسه ، وبرق شفتيه وخرج إلى الناس .

وذكر سفيان بن عيينة منصورا ، فقال : قد كان عمش من البكاء . وعن مفضل قال : حبس ابن هبيرة منصورا شهرا على القضاء يريده عليه ، فأبى ، وقيل : إنه أحضر قيدا ليقيده به ، ثم خلاه .

قال أحمد بن عبد الله العجلي : كان منصور أثبت أهل الكوفة ، لا يختلف فيه أحد ، صالح متعبد ، أكره على القضاء فقضى شهرين ، قال : وفيه [ ص: 407 ] تشيع قليل وكان قد عمش من البكاء .

قلت : تشيعه حب وولاء فقط .

قال أبو حاتم الرازي : الأعمش حافظ ، يدلس ويخلط ، ومنصور أتقن منه ، لا يخلط ولا يدلس .

وقال إبراهيم بن موسى الفراء : أثبت أهل الكوفة منصور ، ثم مسعر .

قال أبو أحمد الحاكم في " الكنى " : أبو عتاب منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة ، ويقال : ابن المعتمر بن عتاب بن عبد الله بن ربيعة ، ويقال : ابن المعتمر بن عتاب بن فرقد السلمي من بهثة بن سليم بن رهط العباس بن مرداس ومجاشع بن مسعود السلميين ، وجده عبد الله بن ربيعة السلمي ، قد رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- عداده في التابعين . سمع زيد بن وهب ، وأبا وائل شقيق بن سلمة ، وروى عنه عن أنس بن مالك إن كان ذلك محفوظا .

روى عنه سليمان التيمي ، وحصين بن عبد الرحمن ، وأيوب بن أبي تميمة السختياني ، وسليمان بن مهران الكاهلي ، وهو أحد متقي مشايخ الكوفيين ونساكهم . مات سنة ثنتين . ويقال : سنة ثلاث وثلاثين ومائة وهو ابن عم حصين بن عبد الرحمن وعتبة بن فرقد ، قال : ومحمد بن علي السلمي أخوه لأمه .

قال أبو داود : طلب منصور الحديث قبل وقعة الجماجم والأعمش طلب بعد الجماجم .

[ ص: 408 ] وقال أبو حاتم الرازي : هو أتقن من الأعمش ، لا يخلط ولا يدلس بخلاف الأعمش .

قال سفيان بن عيينة : كان منصور في الديوان ، فكان إذا دارت نوبته لبس ثيابه وذهب فحرس . يعني : في الرباط .

قال أبو نعيم الملائي : سمعت حماد بن زيد يقول : رأيت منصور بن المعتمر صاحبكم ، وكان من هذه الخشبية ، وما أراه كان يكذب ، قلت : الخشبية : هم الشيعة .

قال يحيى بن سعيد القطان : كان منصور من أثبت الناس . وحكاية أبي بكر الباغندي الحافظ مشهورة ، سمعناها في معجم الغساني ، أنه كان ينتخب على شيخ ، فكان يقول له : كم تضجرني ؟ أنت أكثر حديثا مني وأحفظ ، فقال : إني قد جئت إلى الحديث ، بحسبك أني رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في النوم ، فلم أسأله الدعاء ، وإنما قلت : يا رسول الله أيما أثبت في الحديث منصور أو الأعمش ؟ فقال : منصور منصور . أخبرنا إسحاق بن طارق ، أنبأنا ابن خليل ، أنبأنا أبو المكارم اللبان ، أنبأنا أبو علي الحداد ، أنبأنا أبو نعيم ، حدثنا أبو محمد بن حيان ، حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا أزهر بن جميل ، حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : رأيت منصور بن المعتمر ، فقلت : ما فعل الله بك ؟ قال : كدت أن ألقى الله - تعالى- بعمل نبي . ثم قال سفيان : صام منصور ستين سنة ، يقوم ليلها ويصوم نهارها -رحمه الله .

قال أبو نعيم الملائي : مات منصور بعدما قدم السودان ، يعني : المسودة أي آل العباس . أحمد بن زهير : سمعت ابن معين يقول : مات منصور سنة ثلاث وثلاثين ومائة وفيها أرخه محمد بن عبد الله بن نمير ، وشباب العصفري ، [ ص: 409 ] وقال أبو القاسم بن منده : سنة اثنتين وثلاثين . بعد السودان بقليل ، ثم أعاده في سنة ثلاث وثلاثين . فالله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث