الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ومنها صحة البدن فلا حج على المريض والزمن ، والمقعد ، والمفلوج ، والشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة بنفسه ، والمحبوس ، والممنوع من قبل السلطان الجائر عن الخروج إلى الحج ; لأن الله تعالى شرط الاستطاعة لوجوب الحج ، والمراد منها استطاعة التكليف ، وهي سلامة الأسباب ، والآلات ، ومن جملة الأسباب سلامة البدن عن الآفات المانعة عن القيام بما لا بد منه في سفر الحج ; لأن الحج عبادة بدنية ، فلا بد من سلامة البدن ، ولا سلامة مع المانع ، وعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله عز وجل : { من استطاع إليه سبيلا } أن السبيل أن يصح بدن العبد ، ويكون له ثمن زاد ، وراحلة من غير أن يحجب ، ولأن القرب ، والعبادات ، وجبت بحق الشكر لما أنعم الله على المكلف فإذا منع السبب الذي هو النعمة ، وهو سلامة البدن أو المال كيف يكلف بالشكر ، ولا نعمة .

وأما الأعمى فقد ذكر في الأصل عن أبي حنيفة : أنه لا حج عليه بنفسه ، وإن وجد زادا ، وراحلة ، وقائدا ، وإنما يجب في ماله إذا كان له مال ، وروى الحسن عن أبي حنيفة في الأعمى ، والمقعد والزمن أن عليهم الحج بأنفسهم ، وقال أبو يوسف ، ومحمد : يجب على الأعمى الحج بنفسه إذا وجد زادا ، وراحلة ، ومن يكفيه مؤنة سفره في خدمته ، ولا يجب على الزمن ، والمقعد ، والمقطوع .

وجه قولهما ما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الاستطاعة ، فقال : هي الزاد ، والراحلة } فسر صلى الله عليه وسلم الاستطاعة بالزاد ، والراحلة ، وللأعمى هذه الاستطاعة فيجب عليه الحج ، ولأن الأعمى يجب عليه الحج بنفسه إلا أنه لا يهتدي إلى الطريق بنفسه ، ويهتدي بالقائد فيجب عليه بخلاف الزمن ، والمقعد ، ومقطوع اليد ، والرجل ; لأن هؤلاء لا يقدرون على الأداء بأنفسهم ، وجه رواية الحسن في الزمن ، والمقعد : أنهما يقدران بغيرهما إن كانا لا يقدران بأنفسهما ، والقدرة بالغير كافية لوجوب الحج كالقدرة بالزاد ، والراحلة .

وكذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الاستطاعة : بالزاد ، والراحلة ، وقد وجدا ، وجه رواية الأصل لأبي حنيفة أن الأعمى لا يقدر على أداء الحج بنفسه ; لأنه لا يهتدي إلى الطريق بنفسه ، ولا يقدر على ما لا بد منه في الطريق [ ص: 122 ] بنفسه من الركوب ، والنزول ، وغير ذلك .

وكذا الزمن ، والمقعد فلم يكونا قادرين على الأداء بأنفسهم بل بقدرة غير مختار ، والقادر بقدرة غير مختار لا يكون قادرا على الإطلاق ; لأن فعل المختار يتعلق باختياره ، فلم تثبت الاستطاعة على الإطلاق ، ولهذا لم يجب الحج على الشيخ الكبير الذي لا يستمسك على الراحلة ، وإن كان ثمة غيره يمسكه لما قلنا كذا هذا ، وإنما فسر النبي صلى الله عليه وسلم الاستطاعة بالزاد ، والراحلة لكونهما من الأسباب الموصلة إلى الحج لا لاقتصار الاستطاعة عليهما .

( ألا ترى ) : أنه إذا كان بينه ، وبين مكة بحر زاخر لا سفينة ثمة ، أو عدو حائل يحول بينه ، وبين الوصول إلى البيت لا يجب عليه الحج مع وجود الزاد ، والراحلة فثبت أن تخصيص الزاد ، والراحلة ليس لاقتصار الشرط عليهما بل للتنبيه على أسباب الإمكان ، فكل ما كان من أسباب الإمكان يدخل تحت تفسير الاستطاعة معنى ، ولأن في إيجاب الحج على الأعمى والزمن ، والمقعد ، والمفلوج ، والمريض ، والشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة بأنفسهم حرجا بينا ، ومشقة شديدة .

وقد قال الله ( عز وجل ) : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث