الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الأول غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم

228 [ ص: 211 ] حديث أول لصفوان بن سليم ، مسند

مالك ، عن صفوان بن سليم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم .

التالي السابق


هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة رواته - فيما علمت - ولم يختلفوا في إسناده هذا ، ورواه بكر بن الشرود الصنعاني عن مالك بن أنس ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا خطأ في الإسناد ، وبكر بن الشرود سيئ الحفظ ، ضعيف الحديث ، عنده مناكير ، وقد تقدم القول مستوعبا في غسل الجمعة وما في ذلك من الآثار والمعاني - للسلف من العلماء والخلف منهم - في باب ابن شهاب عن سالم من هذا الكتاب ، فلا وجه لإعادته هاهنا .

[ ص: 212 ] وأما قوله في هذا الحديث : واجب ، فظاهره الوجوب الذي هو الفرض ، وليس كذلك ; لآثار وردت تخرج هذا اللفظ عن ظاهره إلى معنى السنة والفضل ، وقد ذكرناها في باب ابن شهاب ، عن سالم عند قول عمر لعثمان : الوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بالغسل ، وقد يحتمل أن يكون قوله في هذا الحديث : واجب ، أي : وجوب السنة ، أو واجب في الأخلاق الجميلة ، كما تقول العرب : وجب حقك ، وليس على أن ذلك واجب فرضا .

ومن الدليل على ما قلناه في معنى هذا الحديث وما تأولنا فيه - وهو مع ذلك قول أكثر أهل العلم ، وإليه ذهب أئمة الفتوى في أمصار المسلمين - ما حدثنا عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، قال : حدثنا عبد الله بن رجاء ، قال : أخبرنا همام ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل فكيف يجوز مع هذا الحديث ومثله أن يحمل قوله - صلى الله عليه وسلم - : غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم على ظاهره ؟ هذا ما لا سبيل إليه .

[ ص: 213 ] ومما يدل على ما قلنا ، أن أبا سعيد الخدري روى هذا الحديث الذي ظاهره وجوب غسل الجمعة ، وكان يفتي بخلاف ذلك ، وذلك دليل على أنه فهم من معنى الحديث ومخرجه وفحواه ، أنه ليس على ظاهره ، وأن المعنى فيه ما تأولنا ، وبالله توفيقنا .



وذكر عبد الرزاق عن عمر بن راشد ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، قال : سمعت أبا سعيد الخدري ، يقول : ثلاث هن على كل مسلم يوم الجمعة : الغسل والسواك ومس الطيب إن وجده .



قال أبو عمر : معلوم أن الطيب والسواك ليسا بواجبين يوم الجمعة ولا غيره ، فكذلك الغسل ، وقد روي عن أبي سعيد الخدري ما يدلك على أنه حمله على خلاف ظاهر حديثه الذي رواه مالك في هذا الباب .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا إبراهيم بن عبد الرحيم ، قال : حدثنا صالح بن مالك ، قال : حدثنا الربيع بن بدر ، عن الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : [ ص: 214 ] من أتى الجمعة فتوضأ فبها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل وهذا أوضح شيء في سقوط وجوب غسل يوم الجمعة ، وفيه دليل على أن حديث صفوان بن سليم ليس على ظاهره ، والأصل في الفرائض أن لا تجب إلا بيقين ، ولا يقين في إيجاب غسل الجمعة مع ما وصفنا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث