الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - قدس الله روحه ما تقولون في " المنطق " وهل من قال إنه فرض كفاية مصيب أم مخطئ ؟ .

التالي السابق


وأما منفعته في علم الإسلام خصوصا : فهذا أبين من أن يحتاج إلى بيان ولهذا تجد الذين اتصلت إليهم علوم الأوائل فصاغوها بالصيغة العربية بعقول المسلمين جاء فيها من الكمال والتحقيق والإحاطة والاختصار ما لا يوجد في كلام الأوائل وإن كان في هؤلاء المتأخرين من فيه نفاق وضلال لكن عادت عليهم في الجملة بركة ما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم وما أوتيته أمته من العلم والبيان الذي لم يشركها فيه أحد ، وأيضا فإن صناعة المنطق وضعها معلمهم الأول : أرسطو صاحب التعاليم التي لمبتدعة الصابئة يزن بها ما كان هو وأمثاله يتكلمون فيه من حكمتهم وفلسفتهم التي هي غاية كمالهم . وهي قسمان : نظرية وعملية .

فأصح النظرية - وهي المدخل إلى الحق - هي الأمور الحسابية الرياضية . وأما العملية : فإصلاح الخلق والمنزل والمدينة . ولا ريب أن في ذلك من نوع العلوم والأعمال الذي يتميزون بها عن جهال بني آدم الذين ليس لهم كتاب منزل ولا نبي مرسل ما يستحقون به التقدم على ذلك . وفيه من منفعة صلاح الدنيا وعمارتها ما هو داخل في ضمن ما جاءت به الرسل .

وفيها أيضا من قول الحق واتباعه والأمر بالعدل والنهي عن الفساد : ما هو داخل في ضمن ما جاءت به الرسل .

فهم بالنسبة إلى جهال الأمم كبادية الترك ونحوهم أمثل إذا خلوا عن ضلالهم فأما مع ضلالهم فقد يكون الباقون على الفطرة من جهال بني آدم أمثل منهم .

فأما أضل أهل الملل - مثل جهال النصارى وسامرة اليهود - فهم أعلم منهم وأهدى وأحكم وأتبع للحق . وهذا قد بسطته بسطا كثيرا في غير هذا الموضع .

وإنما المقصود هنا : بيان أن هذه الصناعة قليلة المنفعة عظيمة الحشو .

وذلك أن الأمور العملية الخلقية قل أن ينتفع فيها بصناعة المنطق . إذ القضايا الكلية الموجبة - وإن كانت توجد في الأمور العملية - لكن أهل السياسة لنفوسهم ولأهلهم ولملكهم إنما ينالون تلك الآراء الكلية من أمور لا يحتاجون فيها إلى المنطق ومتى حصل ذلك الرأي كان الانتفاع به بالعمل .

ثم الأمور العملية لا تقف على رأي كلي بل متى علم الإنسان انتفاعه بعمل عمله وأي عمل تضرر به تركه . وهذا قد يعلمه بالحس الظاهر أو الباطن لا يقف ذلك على رأي كلي .

فعلم أن أكثر الأمور العملية لا يصح استعمال المنطق فيها . ولهذا كان المؤدبون لنفوسهم ولأهلهم السائسون لملكهم لا يزنون آراءهم بالصناعة المنطقية إلا أن يكون شيئا يسيرا والغالب على من يسلكه : التوقف والتعطيل .

ولو كان أصحاب هذه الآراء تقف معرفتهم بها واستعمالهم لها على وزنها بهذه الصناعة لكان تضررهم بذلك أضعاف انتفاعهم به مع أن جميع ما يأمرون به من العلوم والأخلاق والأعمال لا تكفي في النجاة من عذاب الله فضلا عن أن يكون محصلا لنعيم الآخرة قال تعالى : { حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون } كذلك قال : { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } - إلى قوله - { الكافرون } .

فأخبر هنا بمثل ما أخبر به في الأعراف : أن هؤلاء المعرضين عما جاءت به الرسل لما رأوا بأس الله وحدوا الله وتركوا الشرك فلم ينفعهم ذلك .

وكذلك أخبر عن فرعون - وهو كافر بالتوحيد وبالرسالة - أنه لما أدركه الغرق قال : { آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين } قال الله : { آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين } وقال تعالى : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } { أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون } وقال تعالى : { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب } { قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين } .

وهذا في القرآن في مواضع أخر : يبين فيها أن الرسل كلهم أمروا بالتوحيد بعبادة الله وحده لا شريك له ونهوا عن عبادة شيء من المخلوقات سواه أو اتخاذه إلها ; ويخبر أن أهل السعادة هم أهل التوحيد وأن المشركين هم أهل الشقاوة . وذكر هذا عن عامة الرسل ويبين أن الذين لم يؤمنوا بالرسل مشركون .

فعلم أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازمان . وكذلك الإيمان باليوم الآخر هو والإيمان بالرسل متلازمان . فالثلاثة متلازمة . ولهذا يجمع بينها في مثل قوله : { ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون } ولهذا أخبر أن الذين لا يؤمنون بالآخرة مشركون فقال تعالى : { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة } .

وأخبر عن جميع الأشقياء : أن الرسل أنذرتهم باليوم الآخر كما قال تعالى : { كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير } { قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير } فأخبر أن الرسل أنذرتهم وأنهم كذبوا بالرسالة . وقال تعالى : { وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها } الآية . فأخبر عن أهل النار : أنهم قد جاءتهم الرسالة وأنذروا باليوم الآخر . وقال تعالى : { ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم } { وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون يا معشر الجن والإنس } - إلى قوله - { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } الآية . فأخبر عن جميع الجن والإنس : أن الرسل بلغتهم رسالة الله وهي آياته وأنهم أنذروهم اليوم الآخر وكذلك قال : { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا } { الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا } - إلى قوله - { أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه } . فأخبر أنهم كفروا بآياته وهي رسالته وبلقائه وهو اليوم الآخر . وقد أخبر أيضا في غير موضع بأن الرسالة عمت بني آدم وأن الرسل جاءوا مبشرين ومنذرين كما قال تعالى : { إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } وقال تعالى : { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } - إلى قوله - { وكان الله عزيزا حكيما } وقال تعالى : { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } { والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون } . فأخبر أن من آمن بالرسل وأصلح من الأولين والآخرين فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .

وقال تعالى { قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ومثل ذلك قوله : { إن الذين آمنوا والذين هادوا } - إلى قوله - { فلهم أجرهم عند ربهم } الآية .

فذكر أن المؤمنين بالله وباليوم الآخر من هؤلاء هم أهل النجاة والسعادة وذكر في تلك الآية الإيمان بالرسل وفي هذه الإيمان باليوم الآخر لأنهما متلازمان وكذلك الإيمان بالرسل كلهم متلازم . فمن آمن بواحد منهم فقد آمن بهم كلهم ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم كما قال تعالى : { إن الذين يكفرون بالله ورسله } - إلى قوله - { أولئك هم الكافرون حقا } الآية والتي بعدها . فأخبر أن المؤمنين بجميع الرسل هم أهل السعادة وأن المفرقين بينهم بالإيمان ببعضهم دون بعض هم الكافرون حقا .

وقال تعالى : { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا } { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } .

فهذه الأصول الثلاثة : توحيد الله والإيمان برسله وباليوم الآخر - هي أمور متلازمة .

والحاصل : أن توحيد الله والإيمان برسله واليوم الآخر هي أمور متلازمة مع العمل الصالح . فأهل هذا الإيمان والعمل الصالح : هم أهل السعادة من الأولين والآخرين والخارجون عن هذا الإيمان : مشركون أشقياء . فكل من كذب الرسل فلن يكون إلا مشركا وكل مشرك مكذب للرسل وكل مشرك وكافر بالرسل فهو كافر باليوم الآخر وكل من كفر باليوم الآخر فهو كافر بالرسل وهو مشرك ; ولهذا قال سبحانه وتعالى : { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون } { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } .

فأخبر أن جميع الأنبياء لهم أعداء وهم شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض القول المزخرف وهو المزين المحسن يغررون به . والغرور : هو التلبيس والتمويه . وهذا شأن كل كلام وكل عمل يخالف ما جاءت به الرسل من أمر المتفلسفة والمتكلمة وغيرهم من الأولين والآخرين ثم قال : { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه } فأخبر أن كلام أعداء الرسل تصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة .

فعلم أن مخالفة الرسل وترك الإيمان بالآخرة متلازمان فمن لم يؤمن بالآخرة أصغى إلى زخرف أعدائهم فخالف الرسل كما هو موجود في أصناف الكفار والمنافقين في هذه الأمة . وقال تعالى : { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون } { هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا } - الآية . فأخبر أن الذين تركوا اتباع الكتاب - وهو الرسالة - يقولون إذا جاء تأويله - وهو ما أخبر به - : جاءت رسل ربنا بالحق . وهذا كقوله : { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى } { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا } { قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } أخبر أن الذين تركوا اتباع آياته يصيبهم ما ذكرنا .

فقد تبين أن أصل السعادة وأصل النجاة من العذاب هو توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له والإيمان برسله واليوم الآخر والعمل الصالح .

وهذه الأمور ليست في حكمتهم وفلسفتهم المبتدعة ليس فيها الأمر بعبادة الله وحده والنهي عن عبادة المخلوقات . بل كل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم إذ بنوه على ما في الأرواح والأجسام من القوى والطبائع وإن صناعة الطلاسم والأصنام والتعبد لها يورث منافع ويدفع مضار . فهم الآمرون بالشرك والفاعلون له . ومن لم يأمر بالشرك منهم فلم ينه عنه بل يقر هؤلاء وهؤلاء وإن رجح الموحدون ترجيحا ما . فقد يرجح غيره المشركين . وقد يعرض عن الأمرين جميعا . فتدبر هذا فإنه نافع جدا .

ولهذا كان رءوسهم المتقدمون والمتأخرون يأمرون بالشرك . فالأولون يسمون الكواكب الآلهة الصغرى ويعبدونها بأصناف العبادات . كذلك كانوا في ملة الإسلام لا ينهون عن الشرك ويوجبون التوحيد ; بل يسوغون الشرك أو يأمرون به أو لا يوجبون التوحيد .

وقد رأيت من مصنفاتهم في عبادة الكواكب والملائكة وعبادة الأنفس المفارقة - أنفس الأنبياء وغيرهم - ما هو أصل الشرك .

وهم إذا ادعوا التوحيد فإنما توحيدهم بالقول ; لا بالعبادة والعمل . والتوحيد الذي جاءت به الرسل لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين لله . وعبادته وحده لا شريك له . وهذا شيء لا يعرفونه . والتوحيد الذي يدعونه : إنما هو تعطيل حقائق الأسماء والصفات وفيه من الكفر والضلال ما هو من أعظم أسباب الإشراك .

فلو كانوا موحدين بالقول والكلام - وهو أن يصفوا الله بما وصفته به رسله - لكان معهم التوحيد دون العمل . وذلك لا يكفي في السعادة والنجاة بل لا بد من أن يعبد الله وحده ويتخذ إلها ; دون ما سواه . وهو معنى قول : " لا إله إلا الله " فكيف وهم في القول والكلام معطلون جاحدون ; لا موحدون ولا مخلصون ؟ .

وأما الإيمان بالرسل : فليس فيه للمعلم الأول وذويه كلام معروف . والذين دخلوا في الملل منهم آمنوا ببعض صفات الرسل وكفروا ببعض .

وأما اليوم الآخر : فأحسنهم حالا من يقر بمعاد الأرواح دون الأجساد .

ومنهم من ينكر المعادين جميعا . ومنهم من يقر بمعاد الأرواح العالمة دون الجاهلة . وهذه الأقوال الثلاثة لمعلمهم الثاني أبي نصر الفارابي . ولهم فيه من الاضطراب ما يعلم به أنهم لم يهتدوا فيه [ إلى ] الصواب .

وقد أضلوا بشبهاتهم من المنتسبين إلى الملل من لا يحصي عدده إلا الله .

فإذا كان ما به تحصل السعادة والنجاة من الشقاوة ليس عندهم أصلا كان ما يأمرون به من الأخلاق والأعمال والسياسات كما قال الله تعالى : { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون } .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث