الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

غزوة الحديبية

9720 عبد الرزاق ، عن معمر قال : أخبرني الزهري : قال : أخبرني عروة بن الزبير ، عن المسور بن مخرمة ، ومروان بن الحكم ، صدق كل واحد منهما صاحبه قالا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره ، وأحرم بالعمرة ، وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش ، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كانوا بغدير الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال : إني قد تركت كعب بن لؤي ، وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعا وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أشيروا علي [ أترون ] أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موتورين [ ص: 331 ] محروبين ، وإن يجيئوا تكن عنقا قطعها الله ، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا قاتلناه " فقالوا : رسول الله أعلم ، يا نبي الله إنما جئنا معتمرين ، ولم نجئ لقتال أحد ، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " فروحوا إذا " .

قال معمر : قال الزهري : وكان أبو هريرة يقول : ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الزهري في حديث مسور بن مخرمة ، ومروان : فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين " فوالله ما شعر بهم خالد إذا هو بقترة الجيش فانطلق فإذا هو يركض نذيرا لقريش ، وسار [ ص: 332 ] النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كانوا بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس : حل حل فقالوا : خلأت القصواء ، خلأت [ القصواء ] ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ، ولكنها حبسها حابس الفيل " ثم قال : " والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله ، إلا أعطيتهم إياها " ثم زجرها فوثبت به قال : فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضا ، فلم يلبثه الناس أن نزحوه ، فشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتزع سهما من كنانته ، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه قال : فوالله مازال يجيش لهم بالري [ ص: 333 ] حتى صدروا عنه ، فبينا هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال : إني تركت كعب بن لؤي ، وعامر بن لؤي [ نزلوا ] أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادوك ، عن البيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنا لم نجئ لقتال أحد ، ولكنا جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب ، وأضرت بهم فإن شاءوا ماددتهم لهم مدة ، ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإن لا فقد جموا ، إن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفدن [ الله ] أمره " ، [ ص: 334 ] فقال بديل : سأبلغهم ما تقول ، فانطلق حتى أتى قريشا فقال : إنا جئناكم من عند هذا الرجل ، وسمعناه يقول قولا . فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا ، فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء وقال ذو الرأي منهم : هات ما سمعته يقول [ قال : سمعته يقول ] كذا وكذا ، فحدثهم بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال : أي قومي ألستم بالولد ؟ قالوا : بلى قال : أولست بالوالد ؟ قالوا : بلى قال : فهل تتهموني ؟ قالوا : لا قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ ، فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ، ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى قال : فإن هذا قد عرض عليكم خصلة رشد فاقبلوها ، ودعوني آته فقالوا : فأته ، فأتاه قال : فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل ، فقال عروة عند ذلك : [ ص: 335 ] أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك ، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك ؟ وإن تكن الأخرى فإني لأرى وجوها ، وأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا عنك ، فقال أبو بكر رحمه الله ورضي عنه : امصص بظر اللات ، وأنحن نفر عنه وندعه ؟ فقال : من ذا ؟ قال أبو بكر قال : أما والذي نفسي بيده لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك . قال : وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه أخذ بلحيته ، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف ، وعليه المغفر ، فكلما أهوى عروة يده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف ، وقال أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع عروة رأسه ، [ ص: 336 ] فقال : من هذا ؟ فقالوا : المغيرة بن شعبة فقال : أي غدر أولست أسعى في غدرتك ، وكان المغيرة بن شعبة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم ، وأخذ أموالهم ، ثم جاء فأسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما الإسلام فأقبل ، وأما المال فلست منه في شيء " ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه قال : فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في يد رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه [ النظر ] تعظيما له قال فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمدا ، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له ، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ، فقال رجل من كنانة دعوني آته فقالوا : ائته [ ص: 337 ] فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له " فبعثوها له ، واستقبله القوم يلبون ، فلما رأى ذلك قال : " سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت " قال : فلما رجع إلى أصحابه قال : " رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدوا عن البيت " فقال رجل منهم يقال له مكرز بن حفص : دعوني آته قالوا ائته ، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " هذا مكرز ، وهو رجل فاجر " فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينا هو يكلمه إذ جاءه سهيل بن عمرو .

قال معمر : فأخبرني أيوب ، عن عكرمة أنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنه قد سهل لكم من أمركم " .

قال معمر : قال الزهري في حديثه : فجاء سهيل بن عمرو [ فقال : هات اكتب بيننا وبينكم كتابا ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب ] فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم " فقال سهيل : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ؟ ولكن اكتب باسمك اللهم ، كما كنت تكتب فقال المسلمون : والله لا يكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم اكتب : " باسمك اللهم " ثم قال : " هذا [ ص: 338 ] ما فاصل عليه محمد رسول الله " ، فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ، ولا قاتلناك ، ولكن اكتب : محمد بن عبد الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " والله إني لرسول الله ، وإن كذبتموني " ، اكتب : " محمد بن عبد الله " قال الزهري : وذلك لقوله : " لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمة الله إلا أعطيتهم إياها " فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " على أن تخلوا بيننا وبين البيت ، فنطوف به " فقال سهيل : لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ، ولكن ذلك من العام المقبل ، فكتب ، فقال سهيل : وعلى أنه لا يأتيك منا رجل ، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ، فقال المسلمون : سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده ، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده [ إلي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إنا لم نقض الكتاب بعد " قال : فوالله إذا لم أصالحك على شيء

[ ص: 339 ] أبدا ] فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فأجزه لي " فقال : ما أنا بمجيزه لك قال : " بلى فافعل " قال : ما أنا بفاعل ، قال مكرز : بلى قد أجزناه لك ، فقال أبو جندل : أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ؟ ألا ترون ما قد لقيت ، وكان قد عذب عذابا شديدا في الله ، فقال عمر بن الخطاب : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ قال : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : ألست نبي الله حقا ؟ قال : " بلى " قال : قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : " بلى " قلت : فلم نعطى الدنية في ديننا ؟ فقال : " إني رسول الله ولست أعصيه ، وهو ناصري " قلت : أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال : " بلى ، فأخبرتك أنك تأتيه العام " قلت : لا قال : " فإنك آتيه ومطوف به " قال : فأتيت أبا بكر : فقلت : يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى قلت : فلم نعطى الدنية في ديننا إذا ؟ قال : أيها الرجل إنه رسول الله ، وليس يعصي ربه ، وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه حتى تموت ، فوالله إنه [ ص: 340 ] لعلى الحق ، قلت : أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : فأخبرك أنه سيأتيه العام ، قلت : لا ، قال فإنك آتيه ، ومطوف به قال الزهري : قال عمر : فعملت لذلك أعمالا .

قال : فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " قوموا فانحروا ، ثم احلقوا " قال فوالله ما قام منهم رجل ، حتى قال ذلك ثلاث مرات قال : فلما لم يقم منهم أحد ، قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة : يا نبي الله أتحب ذلك ، اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم حتى تنحر بدنك ، وتدعو حالقك فيحلقك ، فقام ، فخرج ، فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك ، نحر بدنه ، ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضا ، حتى كاد يقتل بعضهم بعضا غما .

ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات حتى بلغ بعصم الكوافر فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك ، فتزوج أحدهما معاوية بن أبي سفيان ، والأخرى صفوان بن أمية .

[ ص: 341 ] ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو بصير ، رجل من قريش وهو مسلم ، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا : العهد الذي جعلت لنا فدفعه إلى الرجلين فخرجا حتى إذا بلغا به ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من تمر لهم ، فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا ، فاستله الآخر فقال : أجل والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثم جربت فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه فأمكنه منه ، فضربه به حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه : " لقد رأى هذا ذعرا " فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : قتل والله صاحبي ، وإني لمقتول ، فجاء أبو بصير فقال : يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم ، ثم أنجاني الله منهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ويل امه مسعر حرب لو كان له أحد " ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى [ ص: 342 ] أتى سيف البحر قال : وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير ، حتى اجتمعت منهم عصابة .

قال : فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لهم فقتلوهم ، وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم إلا أرسل إليهم ، فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأنزل الله وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم حتى بلغ ( حمية الجاهلية ) وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ، ولم يقروا ب ببسم الله الرحمن الرحيم ، وحالوا بينه وبين البيت " .


التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث