الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

مبحث السحر وهاروت وماروت

ثم ذكر - تعالى - أن أولئك الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم - مجاحدة للنبي صلى الله عليه وسلم وحسدا له - قد تبدلوا الكفر بالإيمان واشتروا الضلالة بالهدى ( واتبعوا ما تتلوا الشياطين ) من الإنس في قصصها وأساطيرها ، أو من الجن في وسوستها ، أو منهما جميعا على حد قوله - تعالى - : ( شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) ( 6 : 112 ) ( على ملك سليمان ) أي ما كانت تتلو على عهده وفي أيام ملكه ، إذ زعموا أن ملكه قام على أساس السحر والطلسمات ، وأنه ارتد في آخر عمره وعبد الأصنام مرضاة لنسائه الوثنيات ( وما كفر سليمان ) وما سحر ( ولكن ) أولئك ( الشياطين ) الذين يسندون إليه ما انتحلوه من السحر ، وما تلبسوا به من الكفر ، هم الذين ( كفروا يعلمون الناس السحر ) ليفتنوا به العامة ويضلونهم عن طلب الأشياء من أسبابها الظاهرة ومناهجها المشروعة .

هذه الأوهام والأكاذيب على نبي الله سليمان - عليه السلام - مما افتجره بعض الدجالين من بني إسرائيل ووسوسوا به إلى بعض المسلمين فصدقوهم في بعض ما زعموه من حكايات السحر ، وكذبوهم فيما رموا به سليمان من الكفر ، وإنك لترى دجاجلة المسلمين إلى اليوم يتلون أقساما وعزائم ، ويخطون خطوطا وطلاسم ويسمون ذلك خاتم سليمان وعهوده ، ويزعمون أنها تقي حاملها من اعتداء الجن ومس العفاريت ، ولقد رأى كاتب هذا التفسير شيئا من ذلك ، وكان في أيام حداثته يصدق به ويعتقد فائدته .

وقد زعم اليهود أن سليمان سحر ودفن السحر تحت كرسيه ، وأنه أضاع خاتمه الذي كان به ملكه ، فوقع في يد آخر وجلس مجلسه للحكم ، إلى آخر ما خلطوا فيه التاريخ بالدجل .

وروي عنهم أن سليمان هو الذي جمع كتب السحر من الناس ودفنها تحت كرسيه ، ثم استخرجها الناس وتناقلوها . وفي رواية أخرى : أنه إنما دفن تحت كرسيه كتبا أخرى في العلوم ، فلما استخرجت ، أشاع الشياطين أنها كتب سحر ، وأنشأ الدجالون بعد ذلك ينتحلون ما شاءوا وينسبونه إلى تلك الكتب . ولا شك أن ما قالوه على سليمان وملكه من خبر السحر والكفر مكذوب ، افتراه أهل الأهواء وقد قصه الله - تعالى - علينا ؛ لنعتبر بما افتراه هؤلاء الناس على الأنبياء وبترجيح فريق من خلفهم الاشتغال بذلك على الاهتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ، حتى إنهم نبذوا كتابهم الذي بشر به وراء ظهورهم .

ومن البديهي أن ذكر القصة في القرآن لا يقتضي أن يكون كل ما يحكى فيها عن الناس صحيحا ، فذكر السحر في هذه الآيات لا يستلزم إثبات ما يعتقد الناس منه ، كما أن نسبة الكفر إلى سليمان التي علمت من النفي لا تستلزم أن تكون صحيحة ؛ لأنها ذكرت في القرآن ولو لم يكن ذكرها في سياق النفي .

( قال الأستاذ الإمام ما مثاله ) : بينا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار لا لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين ، وإنه ليحكى من عقائدهم الحق والباطل ، ومن تقاليدهم الصادق والكاذب ، ومن عاداتهم النافع والضار ، لأجل الموعظة والاعتبار ، فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة ولا تتجاوز موطن الهداية ، ولا بد أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن واستهجان القبيح . وقد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكي عنهم وإن لم تكن صحيحة في نفسها كقوله : ( كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) ( 2 : 275 ) وكقوله : ( بلغ مطلع الشمس ) ( 18 : 90 ) وهذا الأسلوب مألوف ، فإننا نرى كثيرا من كتاب اللغة العربية وكتاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير والشر في خطبهم ومقالاتهم ولا سيما في سياق كلامهم عن اليونان والمصريين القدماء ، ولا يعتقد أحد منهم شيئا من تلك الخرافات الوثنية .

ويقول أهل السواحل : غربت الشمس ، أو سقط قرص الشمس في البحر أو في الماء ، ولا يعتقدون ذلك وإنما يعبرون به عن المرئي .

جاء ذكر السحر في مواضع متعددة في القرآن ، وأكثره في قصة موسى وفرعون ، وذكر هنا في الكلام عن اليهود . وإذا أردنا فهمه من عرف اللغة وجدنا أن السحر عند العرب كل ما لطف مأخذه ودق وخفي ، وقالوا : سحره وسحره بمعنى خدعه وعلله ، وقالوا : عين ساحرة وعيون سواحر ، وفي الحديث الصحيح : ( ( إن من البيان لسحرا ) ) ، والسحر بالفتح وبالتحريك الرئة وهي أصل هذه المادة ، والرئة في الباطن ، فما لطف مأخذه ودق صنعه حتى لا يهتدي إليه غير أهله فهو باطن خفي ، ومنه الخداع : وهو أن يظهر لك شيء غير الواقع في نفس الأمر ، فالواقع باطن خفي ، وتأثير العيون في عشاق الحسان ، والكلام البليغ في عشاق البيان ، مما يخفى مسلكه ويدق سببه ، حتى يعسر على أكثر الناس الوقوف على العلة في تأثيره .

وقد وصف الله السحر في القرآن بأنه تخييل يخدع الأعين فيريها ما ليس بكائن كائنا فقال : ( يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) ( 20 : 66 ) والكلام في حبال السحرة وعصيهم ، وفي آية أخرى ( سحروا أعين الناس واسترهبوهم ) ( 7 : 116 ) وفي هذه الآية التي نفسرها أن السحر كان يؤخذ بالتعليم ، والتاريخ يشهد بهذا ، وقد كان المصريون يطلقون لقب الساحر على العالم ، كما يؤخذ من قوله - تعالى - : ( وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك ) ( 43 : 49 ) ومجموع هذه النصوص يدل على أن السحر إما حيلة وشعوذة ، وإما صناعة علمية خفية يعرفها بعض الناس ويجهلها الأكثرون فيسمون العمل بها سحرا لخفاء سببه ولطف مأخذه ، ويمكن أن يعد منه تأثير النفس الإنسانية في نفس أخرى لمثل هذه العلة . وقد قال المؤرخون : إن سحرة فرعون قد استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصي بصور الحيات والثعابين وتخييل أنها تسعى .

وقد اعتاد الذين اتخذوا التأثيرات النفسية صناعة ووسيلة للمعاش أن يستعينوا بكلام مبهم وأسماء غريبة اشتهر عند الناس أنها من أسماء الشياطين وملوك الجان ، وأنهم يحضرون إذا دعوا بها ويكونون مسخرين للداعي . ولمثل هذا الكلام تأثير في إثارة الوهم عرف بالتجربة ، وسببه اعتقاد الواهم أن الشياطين يستجيبون لقارئه ويطيعون أمره ، ومنهم من يعتقد أن فيه خاصية التأثير وليس فيه ، وإنما تلك العقيدة الفاسدة تفعل في النفس الواهمة ما يغني منتحل السحر عن توجيه همته وتأثير إرادته . وهذا هو السبب في اعتقاد الدهماء أن السحر عمل يستعان عليه بالشياطين وأرواح الكواكب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث