الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وهذا هو : الوجه الثاني فنقول : أما الأمور الموجودة المحققة فتعلم بالحس الباطن والظاهر وتعلم بالقياس التمثيلي وتعلم بالقياس الذي ليس فيه قضية كلية ولا شمول ولا عموم بل تكون الحدود الثلاثة فيه - الأصغر والأوسط والأكبر - أعيانا جزئية والمقدمتان والنتيجة قضايا جزئية . وعلم هذه الأمور المعينة بهذه الطرق أصح وأوضح وأكمل . فإن من رأى بعينه زيدا في مكان وعمرا في مكان آخر : استغنى عن أن يستدل على ذلك بكون الجسم الواحد لا يكون في مكانين وكذلك من وزن دراهم كل منها ألف درهم استغنى عن أن يستدل على ألف درهم منها بأنها مساوية للصنجة وهي شيء واحد والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية . وأمثال ذلك كثير . ولهذا يسمى هؤلاء " أهل كلام " أي لم يفيدوا علما لم يكن معروفا . وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد . وهو ما ضربوه من القياس لإيضاح ما علم بالحس . وإن كان هذا [ ص: 76 ] القياس وأمثاله ينتفع به في موضع آخر ومع من ينكر الحس كما سنذكره إن شاء الله .

وكذلك إذا علم الإنسان أن هذا الدينار مثل هذا وهذا الدرهم مثل هذا وأن هذه الحنطة والشعير مثل هذا ثم علم شيئا من صفات أحدهما وأحكامه الطبيعية ; مثل الاغتذاء والانتفاع أو العادية مثل القيمة والسعر أو الشرعية : مثل الحل والحرمة - علم أن حكم الآخر مثله .

فأقيسة التمثيل تفيد اليقين بلا ريب أعظم من أقيسة الشمول ولا يحتاج مع العلم بالتماثل إلى أن يضرب لهما قياس شمول بل يكون من زيادة الفضول .

وبهذا الطريق عرفت القضايا الجزئية بقياس التمثيل .

ومن قال : إن ذلك بواسطة قياس شمول ينعقد في النفس وهو أن هذا لو كان اتفاقيا لما كان أكثريا . فقد قال الباطل . فإن الناس العالمين بما جربوه لا يخطر بقلوبهم هذا ولكن بمجرد علمهم بالتماثل يبادرون إلى التسوية في الحكم . لأن نفس العلم بالتماثل يوجب ذلك بالبديهة العقلية فكما علم بالبديهة العقلية : أن الواحد نصف الاثنين علم بها أن حكم الشيء [ ص: 77 ] حكم مثله وأن الواحد مثل الواحد كما علم أن الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية .

فالتماثل والاختلاف في الصفة أو القدر قد يعلم بالإحساس الباطن والظاهر والعلم بأن المثلين سواء وأن الأكثر والأكبر أعظم وأرجح يعلم ببديهة العقل .

وكذلك القياس المؤلف من قضايا معينة مثل العلم بأن زيدا أخو عمرو وعمرا أخو بكر فزيد أخو بكر . ومثل العلم بأن أبا بكر أفضل من عمر وعمر أفضل من عثمان وعلي . فأبو بكر أفضل من عثمان وعلي . وأن المدينة أفضل من بيت المقدس والمدينة لا يجب أن يحج إليها فبيت المقدس لا يحج إليه . وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل القبور ولا يشرع استلامه ولا تقبيله فقبر فلان وفلان وفلان لا يشرع استلامه ولا تقبيله . وأمثال هذه الأقيسة ملء العالم . وهذا أبلغ في إفادة حكم المعين من ذكر العام . فدلالة الاسم الخاص على المعين أبلغ من الدلالة عليه بالاسم العام وإن كان في العام أمور أخرى ليست في الخاص .

فتبين أن المعلوم من الأمور المعينة يعلم بالحس وبقياس التمثيل والأقيسة المعينة أعظم مما يعلم أعيانها بقياس الشمول . فإذا كان قياس الشمول - الذي حرروه - لا يفيد الأمور الكلية كما تقدم ولا تحتاج إليه الأمور المعينة [ ص: 78 ] - كما تبين - لم يبق فيه فائدة أصلا ; ولم يحتج إليه في علم كلي ولا علم معين بل صار كلامهم في القياس الذي حرروه كالكلام في الحدود . وهذا هذا . فتدبره فإنه عظيم القدر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث