الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

افتراق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال

وقد افترق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال :

[ ص: 173 ] أحدها : أن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من معاني ، إما من العقل الفعال عند بعضهم ، أو من غيره ، وهذا قول الصابئة والمتفلسفة .

وثانيها : أنه مخلوق خلقه الله منفصلا عنه ، وهذا قول المعتزلة .

وثالثها : أنه معنى واحد قائم بذات الله ، هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار ، وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنا ، وإن عبر عنه بالعبريه كان توراة ، وهذا قول ابن كلاب ومن وافقه ، كالأشعري وغيره .

ورابعها : أنه حروف وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل ، وهذا قول طائفة من أهل الكلام ومن أهل الحديث .

وخامسها : أنه حروف وأصوات ، لكن تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلما ، وهذا قول الكرامية وغيرهم .

وسادسها : أن كلامه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته ، وهذا يقوله صاحب المعتبر ، ويميل إليه الرازي في المطالب العالية .

[ ص: 174 ] وسابعها : أن كلامه يتضمن معنى قائما بذاته هو ما خلقه في غيره ، وهذا قول أبي منصور الماتريدي .

وثامنها : أنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات ، وهذا قول أبي المعالي ومن تبعه .

وتاسعها : أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء ، وهو يتكلم به بصوت يسمع ، وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديما ، وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة .

وقول الشيخ رحمه الله : وإن القرآن كلام الله . إن بكسر الهمزة - عطف على قوله : إن الله واحد لا شريك له ثم قال : وإن محمدا عبده المصطفى . وكسر همزة إن في المواضع الثلاثة ، لأنها معمول القول ، أعني قوله في أول كلامه : نقول في توحيد الله .

وقوله : كلام الله منه بدا بلا كيفية قولا : - رد على المعتزلة وغيرهم . فإن المعتزلة تزعم أن القرآن لم يبد منه ، كما تقدم حكاية قولهم ، قالوا : وإضافته إليه إضافة تشريف ، كبيت الله ، وناقة الله ، يحرفون الكلم عن مواضعه ! وقولهم باطل

فإن المضاف إلى الله تعالى معان وأعيان ، فإضافة الأعيان إلى الله للتشريف ، وهي مخلوقة له ، كبيت الله ، وناقة الله ، بخلاف إضافة المعاني ، كعلم الله ، وقدرته ، وعزته ، وجلاله ، وكبريائه ، وكلامه ، [ ص: 175 ] وحياته ، وعلوه ، وقهره - فإن هذا كله من صفاته ، لا يمكن أن يكون شيء من ذلك مخلوقا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث