الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين

وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين عود إلى أمر الدعاء لأن ما قبله من النهي عن الإفساد أشبه الاحتراس المعترض بين أجزاء الكلام ، وأعيد الأمر بالدعاء ليبنى عليه قوله خوفا وطمعا قصدا لتعليم الباعث على الدعاء بعد أن علموا كيفيته ، وهذا الباعث تنطوي تحته أغراض الدعاء وأنواعه ، فلا إشكال في عطف الأمر بالدعاء على مثله لأنهما مختلفان باختلاف متعلقاتهما .

والخوف تقدم عند قوله تعالى إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله .

والطمع تقدم في قوله أفتطمعون أن يؤمنوا لكم في سورة البقرة .

وانتصاب خوفا وطمعا هنا على المفعول لأجله ، أي أن الدعاء يكون لأجل خوف منه وطمع فيه ، فحذف متعلق الخوف والطمع لدلالة الضمير المنصوب في ادعوه .

[ ص: 176 ] والواو للتقسيم للدعاء بأنه يكون على نوعين .

فالخوف من غضبه وعقابه ، والطمع في رضاه وثوابه ، والدعاء لأجل الخوف نحو الدعاء بالمغفرة ، والدعاء لأجل الطمع نحو الدعاء بالتوفيق وبالرحمة . وليس المراد أن الدعاء يشتمل على خوف وطمع في ذاته كما فسر به الفخر في السؤال الثالث لأن ذلك وإن صح في الطمع لا يصح في الخوف إلا بسماجة ، وفي الأمر بالدعاء خوفا وطمعا دليل على أن من حظوظ المكلفين في أعمالهم مراعاة جانب الخوف من عقاب الله والطمع في ثوابه ، وهذا مما طفحت به أدلة الكتاب والسنة ، وقد أتى الفخر في السؤال الثاني في تفسير الآية بكلام غير ملاق للمعروف عند علماء الأمة ، ونزع به نزعة المتصوفة الغلاة ، وتعقبه يطول ، فدونك فانظره إن شئت .

وقد شمل الخوف والطمع جميع ما تتعلق به أغراض المسلمين نحو ربهم في عاجلهم وآجلهم ، ليدعوا الله بأن ييسر لهم أسباب حصول ما يطمعون ، وأن يجنبهم أسباب حصول ما يخافون ، وهذا يقتضي توجه همتهم إلى اجتناب المنهيات لأجل خوفهم من العقاب ، وإلى امتثال المأمورات لأجل الطمع في الثواب ، فلا جرم أنه اقتضى الأمر بالإحسان ، وهو أن يعبدوا الله عبادة من هو حاضر بين يديه فيستحيي من أن يعصيه ، فالتقدير : وادعوه خوفا وطمعا وأحسنوا بقرينة تعقيبه بقوله إن رحمة الله قريب من المحسنين . وهذا إيجاز .

وجملة إن رحمة الله قريب من المحسنين واقعة موقع التفريع على جملة ( وادعوه ) ، فلذلك قرنت بـ إن الدالة على التوكيد ، وهو لمجرد الاهتمام بالخبر ، إذ ليس المخاطبون بمترددين في مضمون الخبر ، ومن شأن إن إذا جاءت على هذا الوجه أن تفيد التعليل وربط مضمون جملتها بمضمون الجملة التي قبلها ، فتغني عن فاء التفريع ، ولذلك فصلت الجملة عن التي قبلها فلم تعطف لإغناء إن عن العاطف .

[ ص: 177 ] ورحمة الله : إحسانه وإيتاؤه الخير .

والقرب حقيقته دنو المكان وتجاوره ، ويطلق على الرجاء مجازا يقال : هذا قريب ، أي ممكن مرجو ، ومنه قوله تعالى إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا فإنهم كانوا ينكرون الحشر وهو عند الله واقع لا محالة ، فالقريب هنا بمعنى المرجو الحصول وليس بقرب مكان ، ودل قوله قريب من المحسنين على مقدر في الكلام ، أي وأحسنوا لأنهم إذا دعوا خوفا وطمعا فقد تهيأوا لنبذ ما يوجب الخوف ، واكتساب ما يوجب الطمع ، لئلا يكون الخوف والطمع كاذبين ، لأن من خاف لا يقدم على المخوف ، ومن طمع لا يترك طلب المطموع ، ويتحقق ذلك بالإحسان في العمل ويلزم من الإحسان ترك السيئات ، فلا جرم تكون رحمة الله قريبا منهم ، وسكت عن ضد المحسنين رفقا بالمؤمنين وتعريضا بأنهم لا يظن بهم أن يسيئوا فتبعد الرحمة عنهم .

وعدم لحاق علامة التأنيث لوصف ( قريب ) مع أن موصوفه مؤنث اللفظ ، وجهه علماء العربية بوجوه كثيرة ، وأشار إليهما في الكشاف ، وجلها يحوم حول تأويل الاسم المؤنث بما يرادفه من اسم مذكر ، أو الاعتذار بأن بعض الموصوف به غير حقيقي التأنيث كما هنا ، وأحسنها عندي قول الفراء وأبي عبيدة : أن قريبا أو بعيدا إذا أطلق على قرابة النسب أو بعد النسب فهو مع المؤنث بتاء ولا بد ، وإذا أطلق على قرب المسافة أو بعدها جاز فيه مطابقة موصوفه وجاز فيه التذكير على التأويل بالمكان ، وهو الأكثر ، قال الله تعالى وما هي من الظالمين ببعيد وقال وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا . ولما كان إطلاقه في هذه الآي على وجه الاستعارة من قرب المسافة جرى على الشائع في استعماله في المعنى الحقيقي ، وهذا من لطيف الفروق العربية في استعمال المشترك إزالة للإبهام بقدر الإمكان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث