الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب من أدرك ركعه من العصر قبل الغروب

533 558 - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا إلى الليل، فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك. فاستأجر آخرين فقال: أكملوا بقية يومكم، ولكم الذي شرطت، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا. فاستأجر قوما فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين". [2271 - فتح: 2 \ 38]

التالي السابق


ذكر فيه حديثين، الثاني من طريقين.

[ ص: 198 ] الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته".

الكلام عليه من أوجه:

أحدها:

هذا الحديث ذكره البخاري أيضا فيما سيأتي كما ستعلمه. وفي رواية لمسلم: "من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة" وفي أخرى: "فقد أدركها كلها"، وهما من أفراده. ولهما من هذا الوجه: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة".

وفي رواية للسراج في "مسنده": "من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعدما تطلع فقد أدرك"، وأخرجه مسلم أيضا من حديث عائشة: "من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها"، والسجدة إنما هي الركعة، وهو من أفراده أيضا.

وللنسائي وابن حبان في "صحيحه": "إذا أدرك أحدكم أول السجدة [ ص: 199 ] من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك أول سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته" وللنسائي: "من أدرك ركعتين من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس أو ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك".

ولأحمد: "من أدرك أول ركعة من صلاة العصر" بدل "سجدة".

وللنسائي أيضا: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته" وفي رواية عن مالك: "فقد أدرك الفضل".

وفي رواية أخرى له: "فقد أدرك الصلاة كلها"، وللدارقطني: "قبل أن يقيم الإمام صلبه"، ولابن عدي: "فقد أدرك فضل الجماعة، ومن أدرك الإمام قبل أن يسلم فقد أدرك فضل الجماعة".

ثانيها:

الإدراك: البلوغ إلى الشيء والوصول إليه واللحوق به. والمراد بالسجدة الركعة كما أسلفناه. وعليه تنطبق ترجمة البخاري حيث عبر بالركعة، وأورده بلفظ السجدة، وبوب على موضع الاتفاق؛ ليقيس عليه موضع الاختلاف، وهو الصحيح كما ستعلمه.

[ ص: 200 ] ونقل القرطبي عن الشافعي في أحد قوليه وأبي حنيفة أن السجدة ها هنا حقيقة على بابها. قال: وأصحاب ذلك على قولهما أنه يكون مدركا بتكبيرة الإحرام.

ثالثها:

هذا الحديث ليس على ظاهره؛ فإنه لا يكون بالركعة مدركا كل الصلاة؛ بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" وبفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث فاتته ركعة من صلاته خلف عبد الرحمن بن عوف، فلما سلم عبد الرحمن صلى الركعة التي فاتته.

وقد أسلفنا روايته: "فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته"، والإجماع قائم على ذلك، فتعين تأويله وإضمار شيء فيه، وهو إما فضلها - وهو الأصح عند الشافعية - في إدراك فضل الجماعة بجزء خلافا للغزالي - وقد أسلفنا ذلك في رواية - وإما وجوبها في حق أرباب الأعذار كالحائض تطهر، والكافر يسلم، والمجنون يفيق، والصبي يبلغ.

وأظهر قولي الشافعي الوجوب عليهم بإدراك جزء منها، وإن كان لا يسع ركعة بشرط امتداد السلامة من الموانع زمنا يسع مقدار تلك [ ص: 201 ] الصلاة. وإليه ذهب أبو حنيفة، وخالف فيه مالك والجمهور عملا بمفهوم الحديث.

وأجاب المخالف بأن التقييد بركعة خرج مخرج الغالب، فإن غالب ما يمكن معرفة إدراكه بركعة أو نحوها. والأظهر عند الشافعي أيضا الإدراك بالوقت المذكور الصلاة التي قبلها إن كانت تجمع معها؛ لاشتراكهما في الوقت.

ونقل ابن بطال عن أبي حنيفة: أنه إذا أفاق لأقل من ركعة قبل الغروب أنه يلزمه قضاء خمس صلوات فدون ولا يلزمه أكثر من ذلك، ثم رده. وأما حكما، وهو الأصح عند الشافعية من الأوجه الخمسة أنه إن أدرك ركعة من الوقت فالكل أداء، وإلا فقضاء. وكل ذلك بسطناه في "الفروع".

وقيل: على تأويل فقد أدرك حكمها: أن المراد أن يلزمه من أحكام الصلاة ما لزم الإمام من الفساد والسهو وغير ذلك، ويتأيد بالرواية السالفة "مع الإمام". وحكاه ابن بطال عن مالك وجماعة، وهو مبطل قول داود وغيره: أن الحديث مردود إلى إدراك الوقت، إذ هما حديثان مختلفان كل منهما يفيد فائدة مستقلة.

وكان أبو ثور يقول: إنما ذلك لمن نام أو سها، ولو تعمد أحد ذلك كان مخطئا مذموما بتفريطه وقد روي ذلك عن الشافعي ثم إذا [ ص: 202 ] قلنا: إن المراد: فقد أدرك فضلها، فهل يكون مضاعفا كما في حق من أدركها من أولها؟ على قولين حكاهما القرطبي، وإلى التضعيف ذهب أبو هريرة وغيره من السلف. وكذلك إن وجدهم قد سلموا عند هؤلاء كما هو ظاهر حديث أبي هريرة في "سنن أبي داود".

واختلف العلماء في الجمعة، فذهب مالك والثوري والأوزاعي والليث وزفر ومحمد والشافعي وأحمد إلى أن من أدرك منها ركعة أضاف إليها أخرى. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أحرم في الجمعة قبل سلام الإمام صلى ركعتين. وهو قول النخعي والحكم وحماد، وأغرب عطاء ومكحول وطاوس ومجاهد فقالوا: إن من فاتته الخطبة يوم الجمعة يصلي أربعا؛ لأن الجمعة إنما قصرت من أجل الخطبة.

وأما إدراك الركعة بالركوع خلف الإمام، فالأصح عند الشافعية أن يكون مدركا لها به بشرط أن يطمئن قبل ارتفاع الإمام عن أقل الركوع، وهو مذهب الجمهور، منهم مالك وغيره. وروي عن أبي هريرة أنه لا يكون مدركا لها به.

وروي معناه عن أشهب. ونقل ابن بزيزة عن ابن أبي ليلى والثوري وزفر إدراكها بما إذا كبر قبل أن يرفع الإمام رأسه، وليركع قبل رفع [ ص: 203 ] الإمام رأسه. وعن قتادة وحميد إدراكها بوضع اليدين على الركبة قبل رفع الإمام رأسه، فإن رفع قبل الوضع فلا.

وعن ابن سيرين إدراكها بإدراك تكبيرة الإحرام والركوع. ونقل القرطبي عن جماعة من السلف أنه متى أحرم والإمام راكع أدركها وإن لم يدرك الركوع وركع مع الإمام. وقيل: يجزئه وإن رفع الناس ما لم يرفع الإمام. ونقله ابن بزيزة عن الشعبي، وقال: إذا انتهى إلى الصف الآخر ولم يرفعوا رءوسهم أو بقي واحد منهم لم يرفع رأسه وقد رفع الإمام رأسه فإنه يركع وقد أدرك الصلاة؛ لأن الصف الذي هو فيه إمامه، وبعضهم أئمة بعض. وقيل: يجزئه إن أحرم قبل سجود الإمام. حكاه القرطبي. وقال أبو العالية فيما حكاه ابن بزيزة: إذا جاء وهم سجود سجد معهم، فإذا سلم الإمام قام فركع ركعة ولا يسجد، ويعتد له بتلك الركعة.

قال: وروى نافع عن ابن عمر أنه كان إذا جاء والقوم سجود سجد معهم، فإذا رفعوا رءوسهم سجد أخرى ولا يعتد بها. وقال ابن مسعود: إذا ركع ثم مشى فدخل في الصف قبل أن يرفعوا رءوسهم اعتد بها، وإن رفعوا رءوسهم قبل أن يصل إلى الصف فلا.

[ ص: 204 ] والجمهور على ما أسلفناه. وكذا قال ابن بطال: أئمة الفتوى متفقون على أن من لم يدرك الركعة لم يدرك السجدة.

رابعها:

جمهور العلماء على أن من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس يتمها. وانفرد أبو حنيفة فقال: تبطل بطلوعها، ويستقبلها بعد ارتفاعها، ووافقنا في العصر أنه يتمها بعد الغروب؛ لأن العصر يقع آخرها في وقت صالح للابتداء بالصلاة بخلاف الطلوع. وهذا فرق صوري، والشارع سوى بينهما، فلا معنى لهذا الفرق.

وقولهم: إنه أخر القضاء في حديث الوادي لأجل هذا عجيب، بل إنما أخره لقوله: "اخرجوا بنا منه فإن فيه شيطانا".

والاستيقاظ كان بعد أن أحرقتهم الشمس. قالوا: والحديث محمول على أرباب الأعذار، وأيضا كان قبل النهي عن الصلاة في هذين الوقتين؛ لأن النهي أبدا يطرأ على الأصل الثابت. والجواب أن راوي حديثنا هذا أبو هريرة، وهو متأخر عن أخبار النهي، فإن راويها عمر وإسلامه قديم، نبه عليه ابن حزم. وعند أبي حنيفة أنه إذا قعد مقدار التشهد وطلعت تبطل أيضا، وخالفه صاحباه.

خامسها:

خصت هاتان الصلاتان بالذكر دون غيرهما لشرفهما، والحكم لا يختص؛ بدليل الرواية السالفة: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد [ ص: 205 ] أدرك الصلاة"، ويحتمل أنهما طرفا الصلاة أولا وآخرا، والمصلي إذا صلى بعض الصلاة وطلعت الشمس أو غربت عرف خروج الوقت، فلو لم يبين الشارع هذا الحكم وعرف المصلي أن صلاته تجزئه لظن فوات الصلاة وبطلانها بخروج الوقت، وليس كذلك آخر أوقات الصلوات فإنها لا تعرف حقيقة إلا بعد الاعتبار والتدقيق؛ ولأن الشارع نهى عن الصلاة عند الطلوع وعند الغروب، فلو لم يبين لهم صحة صلاة من أدرك منهما لظن أن الصلاة تفسد بدخول هذين الوقتين وهو يصلي، فعرفهم ذلك ليزول هذا الوهم.

سادسها:

قدم ذكر السجدة في رواية البخاري هنا؛ لأنها هي السبب الذي به الإدراك، وأخرت في رواية أخرى فقال: "من أدرك من الصبح سجدة" تقديما للاسم الذي يدل على الصلاة دلالة تتناول كل أوصافها، بخلاف السجدة فإنها دالة على البعض، فقدم الأعم.

الحديث الثاني:

ذكر حديث سالم، عن ابن عمر، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا بها حتى انتصف النهار عجزوا... " الحديث.

ثم ذكر فيه حديث بريدة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مثل واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا إلى الليل، فعملوا إلى نصف النهار". وذكر باقية الحديث، "واستكملوا أجر الفريقين".

[ ص: 206 ] الكلام على ذلك من أوجه:

أحدها:

هذا الحديث - أعني حديث ابن عمر - أخرجه البخاري أيضا في فضائل القرآن، والإجارة، وذكر بني إسرائيل، والتوحيد، وفيه: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قائم على المنبر.

ثانيها:

إنما أدخل البخاري هذين الحديثين في هذا الباب لقوله فيه: "ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس فاعطينا قيراطين"؛ ليدل على أنه قد استحق بعمل البعض أجر الكل مثل الذي أعطي من العصر إلى الليل أجر النهار كله المستأجر أولا، فمثل هذا كالذي أعطي على ركعة أدرك فيها أجر الصلاة كلها في آخر الوقت.

وقال ابن المنير: إن قلت: ما وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة؟ وإنما هو مثال لمنازل الأمم عند الله، وأن هذه الأمة أقصرها عمرا، وأقلها عملا، وأعظمها ثوابا، ويستنبط منه البخاري بتكلف من قوله: "فعملنا إلى غروب الشمس" فدل على أن وقت العمل ممتد إلى الغروب وأنه لا يفوت، وأقرب الأعمال المشهورة بهذا الوقت: صلاة العصر، وهو من قبيل الأخذ من الإشارة لا من صريح العبارة،

[ ص: 207 ] فإن الحديث مثال، وليس المراد عملا خاصا بهذا الوقت هو صلاة، بل المراد سائر أعمال الأمة من سائر الصلوات وغيره من العبادات في سائر مدة بقاء الأمة إلى قيام الساعة، وتحتمل المطابقة ما سلف عن المهلب من أنه نبه على أن إعطاء البعض حكم الكل في الإدراك غير بعيد، كما أعطيت هذه الأمة ببعض العمل في بعض النهار حكم جملة العمل في جملة النهار، فاستحقت جميع الأجر، وفيه بعد، فإنه لو قال: إن هذه الأمة أعطيت ثلاثة قراريط لكان أشبه، ولكنها ما أعطيت إلا بعض أجرة جميع النهار؛ لأن الأمتين قبلها ما استوعبا النهار فأخذتا قيراطين، وهذه الأمة إنما أخذت أيضا قيراطين، نعم عملت هذه قليلا فأخذت كثيرا، ثم هو أيضا منفك عن محل الاستدلال؛ لأن عمل هذه الأمة آخر النهار كان أفضل من عمل المتقدمين قبلها، ولا خلاف أن صلاة العصر متقدمة أفضل من صلاتها متأخرة، ومراده عند الجمهور كما علمته في موضعه، ثم هذا من الخصائص المستثناة عن القياس، فكيف يقاس عليه؟ ألا ترى أن صيام آخر النهار لا يقوم مقام جملته، وكذلك سائر العبادات فالأول أولى.

ثالثها:

قوله: ("إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم") في رواية الترمذي: "إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم" وهذا مثل ضربه - عليه السلام - لعمل هذه الفرق الثلاثة، وهو إشارة إلى قرب الساعة وقلة ما بقي من الدنيا. وفي حديث أبي موسى أن اليهود طال زمن عملهم وزاد على مدة النصارى؛ لأنه كان بين موسى وعيسى في رواية [ ص: 208 ] أبي صالح عن ابن عباس: ألف سنة وستمائة واثنان وثلاثون سنة، وفي قول ابن إسحاق: ألف سنة وتسعمائة وتسع عشرة، ولا يختلف الناس - كما ذكره ابن الجوزي - أنه كان بين عيسى ونبينا - صلى الله عليه وسلم - ستمائة سنة؛ فلهذا جعل عمل اليهود من أول النهار إلى وقت الظهر، وعمل النصارى من الظهر إلى العصر، ثم قد اتفق أيضا تقديم اليهود على النصارى في الزمان، مع طول عمل أولئك وقصر عمل هؤلاء، فأما عمل المسلمين فإنه جعل ما بين العصر إلى المغرب، وذلك أقل الكل في مدة الزمان، فربما قال قائل: إن هذه قد كانت ستمائة سنة من المبعث، فكيف يكون زمانها أقل؟ ثم أجاب في نفي الخلاف في زمن الفترة عن ستمائة: عجيب، فقد ذكر الحاكم في "إكليله" أنها مائة وخمسة وعشرون سنة، وذكر غيره أنها أربعمائة.

رابعها:

تعلق بعضهم بمضمون هذا الحديث، وهو أن مدة المسلمين من حين مولد سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قيام الساعة ألف سنة وزيادة؛ وذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - جعل النهار نصفين، الأول لليهود، فكانت مدتهم ما سلف، فتكون لهذه الأمة والنصارى كذلك، فجاءت مدة النصارى كما سلف ستمائة سنة، الباقي وهو ألف سنة وزيادة للمسلمين، ويؤيد ذلك ما ذكره السهيلي أن جعفر بن عبد الواحد العباسي [ ص: 209 ] القاضي حدث بحديث رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن أحسنت أمتي فبقاؤها يوم من أيام الآخرة، وذلك ألف سنة، وإن أساءت فنصف يوم" وقد انقضت الخمسمائة والأمة باقية. وذكر حديث زمل الخزاعي، وأنه قص على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رؤياه، وقال: رأيتك يا رسول الله على منبر له سبع درجات وإلى جنبك ناقة عجفاء كأنك تبعثها. ففسر له - صلى الله عليه وسلم - الناقة بقيام الساعة التي أنذر بها، ودرجات المنبر: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، بعثت في آخرها ألفا.

[ ص: 210 ] قال السهيلي: والحديث وإن كان ضعيف الإسناد، فقد روي موقوفا على ابن عباس من طرق صحاح أنه قال: الدنيا سبعة أيام، كل يوم ألف سنة وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آخر يوم منها، وصحح الطبري هذا الأصل وعضده بآثار، وذكر قوله: "بعثت أنا والساعة كهاتين، وإنما سبقتها بما سبقت هذه هذه" وأورده من طرق كثيرة صححها، فشبه - صلى الله عليه وسلم - ما بقي من الدنيا إلى قيام الساعة مع ما انقضى بقدر ما بين السبابة والوسطى من التفاوت حيث قال: "بعثت أنا والساعة كهاتين"

[ ص: 211 ] وأشار بالسبابة والوسطى وبينهما نصف سبع
كما قال السهيلي؛ لأن الوسطى ثلاثة أسباع، كل مفصل منها سبع، وزيادتها على السبابة نصف سبع. والدنيا على ما قدمناه عن ابن عباس سبعة آلاف سنة، فلكل سبع ألفا سنة، وفضلت الوسطى على السبابة بنصف الأنملة، وهو ألف سنة. فيما ذكره الطبري وغيره.

وزعم السهيلي أن بحساب الحروف المقطعة في أوائل السور تكون تسعمائة سنة وثلاث سنين. وهل هي من مبعثه أو هجرته أو وفاته؟ فالله أعلم. قلت: وهذا من الغيب الذي استأثر الله به. وقد قال - صلى الله عليه وسلم - "ما المسئول عنها بأعلم من السائل".

خامسها:

قولي: ("كما بين صلاة العصر إلى الغروب") يحتمل كما قال ابن العربي أن يريد: من أول وقتها ومن آخره، وهو الظاهر؛ لأنه لو كان من الأول لكان زمن المسلمين أكثر في العمل من زمان النصارى.

وظاهر الحديث يقتضي أن عمل النصارى أكثر لقولهم فيه: "نحن أكثر عملا". وكثرته غالبا تستدعي كثرة الزمان.

[ ص: 212 ] سادسها:

قوله: ("أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا") هذا مخالف لرواية أبي موسى السالفة: "لا حاجة لنا إلى أجرك" وفيه: "فعملوا حتى إذا كان العصر قالوا: لك ما عملنا" ورواية أيوب، عن نافع، عن ابن عمر. ففيه: قطع الأجرة لكل فريق، واستوفي العمل، وأبقى الأجرة.

وفيه: قطع الخصومة، وزوال العتب عنهم، وإبراؤهم من الذنب.

واكتفى الراوي منه بذكر مآل الأمر إليه من الأجرة ومبلغها دون غيرها من ذكر عجزهم عن العمل، ذكره الخطابي.

وقولهم: "لا حاجة لنا إلى أجرك". إشارة إلى تحريفهم الكتب، وتبديلهم الحال، وانقطاعهم عن بلوغ الغاية، فحرموا إتمام الأجرة؛ لامتناعهم من تمام العمل الذي ضمنوه. قال: وكأن الصحيح رواية سالم وأبي بردة.

فائدة:

القيراط من الوزن معروف، قال في "الصحاح": وهو نصف دانق. قال القزاز: وأصله من قولهم: قرط فلان على العطاء إذا أعطاه قليلا قليلا.

سابعها:

قوله: ("عجزوا") قال الداودي: قوله: "عجزوا" قاله أيضا في [ ص: 213 ] النصارى، وفي حديث أبي موسى: "لا حاجة لنا إلى أجرك". حكاه عن اليهود: "لك ما عملنا". قال: فإن كان وصف من مات مسلما من قوم موسى فلا يقال: عجزوا، وكذا من مات مسلما من قوم عيسى، وإن كان قاله فيمن آمن ثم كفر، فكيف يعطى القيراط من حبط عمله فكفر؟ وقال ابن التين: يحمل حديث ابن عمر: "نحن أكثر عملا وأقل عطاء". على من مات مسلما من أهل الكتابين. وحديث أبي موسى: "لك ما عملنا" باطل. على من بدل دينه بعد نبيه.

قلت: ورواية أبي موسى هذه أخرجها الإسماعيلي وأبو نعيم، وفيه قالوا: "لا حاجة لنا في أجرتك التي شرطت لنا، وما عملنا باطل. فقال لهم: لا تفعلوا، اعملوا بقية يومكم وخذوا أجركم كاملا، فأبوا وتركوا ذلك عليه، فاستأجر قوما آخرين، فقال لهم: اعملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهؤلاء من الأجر. فعملوا حتى كان العصر، فقالوا: لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا، لا حاجة لنا فيه. فقال لهم: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير وخذوا أجركم. فأبوا عليه، فاستأجر قوما آخرين، فعملوا بقية يومهم، حتى إذا غابت الشمس فاستكملوا أجر الفريقين والأجر كله". ذلك مثل اليهود والنصارى تركوا ما أمرهم الله، ومثل المسلمين الذين قبلوا هدى الله وما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم.

ثامنها:

قوله: ("ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين")

فيه: تفضيل هذه الأمة وتوفير أجرها مع قلة عملها، وإنما فضلت [ ص: 214 ] لقوة يقينها ومراعاة أصل دينها، فإن زلت فأكثر زللها في الفروع جريا بمقتضى الطباع لا قصدا، ثم تتداركه بالاعتراف الماحي للاقتراف، وعموم ذلك ممن قبلهم كان في الأصول والمعاندة للشرائع كقولهم: اجعل لنا إلها [الأعراف: 138] وكامتناعهم من أخذ الكتاب حتى نتق الجبل فوقهم، و: فاذهب أنت وربك فقاتلا [المائدة: 24] وقد علم ما كانت الصحابة تؤثره وتزدحم عليه من الشهادة في سبيله، وهذا من منه لا وجوب عليه تعالى، ولما قالت اليهود والنصارى: "ما لنا أكثر عملا وأقل أجرا؟ " فقال الرب جل جلاله: "هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ - يعني: الذي شرطت لكم - قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء". ولعل قولهم: "نحن أكثر عملا وأقل عطاء" أي: لا نرضى بهذا، ثم تركوا ذلك وقالوا: "لك ما عملنا باطلا" كما سلف، واتفقا الحديثان، وجاء في بعض الروايات: "فغضبت اليهود والنصارى" - يعني: الكفار؛ لأن غيرهم لا يغضب من حكم الرب تعالى. وقال الإسماعيلي: إنما قالت النصارى: نحن أكثر عملا؛ لأنهم آمنوا بموسى وعيسى، فكان لهم عمل اليهود وزيادة ما عملوا من الإيمان بعيسى إلى أن بعث نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام.

وما ذكره من إيمان النصارى بموسى فيه نظر. ويحتمل أن يكون قولهم: "نحن أكثر عملا" يعني: اليهود؛ لأنهم عملوا ست ساعات.

وقولهم: "وأقل عطاء". يعني: النصارى، وإن كانوا متقاربين مع المسلمين في العمل، فيكون الحديث على العموم في اليهود، وعلى الخصوص في النصارى، وقد يأتي في الكلام إخبار عن جملة،

[ ص: 215 ] والمراد بعضها كقوله تعالى: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان [الرحمن: 22] إنما يخرج من الملح لا العذب. وقوله تعالى: فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما [الكهف: 61] والناسي كان يوشع بدليل قوله: فإني نسيت الحوت [الكهف: 63]. وقيل: يحتمل أن كل طائفة منهما أكثر عملا وأقل أجرا؛ لأن النصارى عملت إلى صلاة العصر لا إلى وقت العصر، فيحمل على أنها عملت إلى آخر وقت العصر، ذكره ابن القصار.

ويحتمل وجها آخر: وهو أن تكون الزيادة التي يتبين بها وقت العصر، وهو أن يصير ظل الشيء مثله، وزاد أدنى زيادة التي كانت عند الزوال، فزادت مدة الظهر أكثر من مدة العصر، فهي زيادة في العمل.

تاسعها:

استنبط أصحاب أبي حنيفة، منهم الدبوسي في "أسراره" وغيره من هذا الحديث أن وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه؛ لأنه إذا كان كذلك كان قريبا من أول العاشرة، فيكون للغروب ثلاث ساعات غير شيء يسير، ويكون النصارى أيضا عملوا ثلاث ساعات وشيئا يسيرا، وهو من أول الزوال إلى أول الساعة العاشرة، وهو إذا صار ظل الشيء مثله، فاستوى في الزمن النصارى مع المسلمين إلا في شيء يسير لا اعتبار به، واعترض على ذلك بأمور منها: أن النصارى لم تقله، إنما قاله الفريقان، ووقتهما أكثر من وقتنا، فيستقيم قولهم: "أكثر عملا". وأجيب بأنهما لم يتفقا على قول واحد، بل قالت النصارى: "كنا أكثر عملا وأقل عطاء". وكذا اليهود، باعتبار كثرة العمل وطوله، كقوله تعالى حاكيا عنهم: وقالت اليهود [ ص: 216 ] والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه [المائدة: 18] وإنما قال ذلك اليهود وحدها، والنصارى وحدها؛ لأن اليهود لا يقولون أن النصارى أبناء الله وأحباؤه، وكذا النصارى.

ومنها: ما قاله الجويني من أن الأحكام لا تتعلق بالأحاديث التي تأتي لضرب الأمثال، فإنه موضع تجوز وتوسع. قال ابن العربي: وليس كما قال؛ لأن الشارع لا يقول إلا حقا تمثل أو توسع، وقوله: ("من صلاة العصر") يحتمل أول الوقت وآخره، فلا يقضى بأحد الاحتمالين على الآخر.

ومنها: أن هذا الحديث قصد به ذكر الأعمال لا بيان الأوقات كما سلف في رواية أبي نعيم والإسماعيلي، فهو مثل ضرب للناس الذين شرع لهم دين موسى عليه أفضل الصلاة والسلام؛ ليعملوا الدهر كله بما يأمرهم وينهاهم إلى أن بعث الله عيسى عليه أفضل الصلاة والسلام، فأمرهم باتباعه فأبوا وتبرءوا مما جاء به وعمل آخرون بما جاء به عيسى على أن يعملوا باقي الدهر بما يؤمرون به، فعملوا حتى بعث سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعاهم إلى العمل بما جاء به فأبوا وعصوا، فجاء الله بالمسلمين، فعملوا بما جاء به، ويعملون إلى قيام الساعة، فلهم أجر من عمل الدهر كله بعبادة الله، كإتمام النهار الذي استؤجر عليه كله، فقدر لهم مدة أعمال اليهود ولهم أجرهم إلى أن نسخ الله شريعتهم بعيسى. وقال عند مبعث عيسى: من يعمل مدة هذا الشرع وله أجر قيراط؟ فعملت النصارى إلى أن نسخ الله ذلك بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال متفضلا على المسلمين: من يعمل بقية النهار إلى [ ص: 217 ] الليل وله قيراطان؟ فقال المسلمون: نحن نعمل إلى انقطاع الدهر. فمن عمل من اليهود إلى أن آمن بعيسى وعمل بشريعته له أجره مرتين، وكذلك النصارى إذا آمنوا بنبينا كما جاء في الحديث: "ورجل آمن بنبيه وآمن بي" يعني: يؤتى أجره مرتين.

وحديث الأوقات: قصد به الأوقات، وما قصد به بيان الحكم مقدم على غيره.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث