الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


537 562 - حدثنا آدم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن زيد عن ابن عباس قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - سبعا جميعا وثمانيا جميعا. [انظر: 543 - مسلم: 705 - فتح: 2 \ 41]

التالي السابق


ذكر فيه أثرا عن عطاء وأربعة أحاديث.

أما الأثر فقال: وقال عطاء: يجمع المريض بين المغرب والعشاء.

وهذا قد سلف الكلام عليه في باب تأخير الظهر إلى العصر.

وأما الأحاديث:

[ ص: 219 ] فأحدها: عن أبي النجاشي مولى رافع سمع: رافع بن خديج يقول: كنا نصلي المغرب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله.

الكلام عليه من أوجه:

أحدها:

أبو النجاشي هذا اسمه: عطاء بن صهيب، تابعي ثقة. والحديث أخرجه مسلم أيضا.

ثانيها:

النبل: السهام الصغار العربية، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها. وقيل: واحده: نبلة، والجمع: نبال وأنبال.

ثالثها:

الحديث دال على المبادرة بالمغرب في أول وقتها بمجرد الغروب، وهو إجماع، ولا عبرة بمن شذ فيه ممن لا يعتد به، والأحاديث التي قد تشعر بالتأخير وردت لبيانه، فإنها كانت جواب سائل عن الوقت، والتقديم هو المعهود من عادته. وحديث أبي بصرة: "لا صلاة بعد [ ص: 220 ] العصر حتى يطلع الشاهد" والشاهد: النجم. أخرجه مسلم، لا ينافيه.

وحديث عبد العزيز بن رفيع، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عجلوا بصلاة النهار في يوم غيم، وأخروا المغرب" أخرجه أبو داود في "مراسيله"، والمراد - والله أعلم - تحقق الغروب. ووقتها عند الشافعي: بمضي قدر وضوء، وستر عورة وأذانين، وخمس ركعات من وقت الغروب، وبه قال مالك والأوزاعي، وله أن يستديمها إلى مغيب الشفق. والقوي من جهة الدليل بقاؤه إلى مغيب الشفق، وبه قال أبو حنيفة والثوري وأحمد وإسحاق. وعن طاوس: لا يفوت المغرب والعشاء حتى الفجر. وعن عطاء: لا يفوتا حتى النهار.

وفي "مصنف عبد الرزاق" عن ابن جريج، أخبرني عبد الرحمن بن سابط أن أبا أمامة سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: متى غروب الشمس؟ قال: "من أول ما تصفر إلى أن تغرب".

[ ص: 221 ] الحديث الثاني:

حديث محمد بن عمرو بن الحسن بن علي: قال: قدم الحجاج فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحيانا وأحيانا، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطئوا أخر، والصبح كانوا - أو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها بغلس.

الكلام عليه من أوجه:

أحدها:

هذا الحديث يأتي قريبا في وقت العشاء، وقد أخرجه مسلم أيضا، ثم قوله: (قدم الحجاج) كذا هنا، وفي رواية معاذ بن معاذ عن شعبة: كان الحجاج يؤخر الصلوات، فسألنا جابر بن عبد الله.

وفي رواية أحمد بن حنبل وأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، عن غندر: قدم الحجاج المدينة فسألنا جابر بن عبد الله... الحديث.

ثانيها: في ألفاظه:

الهاجرة: شدة الحر، والمراد هنا: نصف النهار بعد الزوال.

والنقي: الخالص. والوجوب: السقوط للغروب، والمراد: سقوط فرضها، وفاعل وجب مستتر وهو الشمس. والأحيان: جمع حين يقع على الكثير من الزمان والقليل.

[ ص: 222 ] وقوله: (والصبح كانوا - أو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها بغلس). المعنى: كانوا معه مجتمعين أو لم يكونوا معه مجتمعين، فإنه عليه الصلاة والسلام كان يصليها بغلس، ولا يفعل فيها كما يفعل في العشاء، وإنما كان شأنه التعجيل فيها أبدا، وهذا من أفصح الكلام، وفيه حذفان كما نبه عليه ابن بطال: حذف خبر كان، وهو جائز كحذف خبر المبتدأ؛ لقوله تعالى: واللائي لم يحضن [الطلاق: 4]، أي: فعدتهن مثل ذلك: ثلاثة أشهر. وحذف الجملة التي هي الخبر لدلالة ما سلف عليه.

وقوله: (أو) يعني: لم يكونوا مجتمعين، حذف الجملة التي بعد (أو) مع كونها مقتضية لها. التقدير: أو لم يكونوا مجتمعين، كما قلناه، ويصح - كما قال ابن التين - أن تكون كان هنا تامة، فتكون بمعنى الحضور والوقوع، ويكون المحذوف ما بعد (أو) خاصة.

ثالثها: في أحكامه:

فمنها: فضيلة أول الوقت، ومنها أن سقوط الفرض يدخل به وقت المغرب، ومنها أن تقديم العشاء أفضل عند الاجتماع، وتأخيرها عند عدمه، وهو قول عند المالكية، والصحيح عند أصحابنا والمالكية التقديم أفضل مطلقا. وأكثر أهل العلم على أن التأخير أفضل، حكاه الترمذي عن أكثر العلماء من الصحابة والتابعين، وبه يقول [ ص: 223 ] أحمد وإسحاق وأبو حنيفة. واستثنى بعضهم عن أبي حنيفة ليالي الصيف، فإن التقديم أفضل، ويكره عنده تأخيرها بعد الثلث، وفي الغيمة يحرم تأخيرها بعد النصف، ومنها: التغليس بالصبح، وقد سلف.

الحديث الثالث:

حدثنا مكي بن إبراهيم ثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة قال: كنا نصلي مع النبي -صلى الله عليه وسلم- المغرب إذا توارت بالحجاب.

وهذا الحديث أحد ثلاثيات البخاري، وأخرجه مسلم أيضا بلفظ: كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب. ومعنى توارت: استترت بما يحجبها عن الأبصار. وفي أبي داود: إذا غاب حاجبها. وهو دال على المبادرة بها أيضا.

الحديث الرابع:

حديث ابن عباس: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - سبعا جميعا، وثمانيا جميعا.

وهذا الحديث تقدم في تأخير الظهر إلى العصر، ويأتي أيضا في صلاة الليل وغيره.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث