الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رسالة التحفة العراقية في الأعمال القلبية

والصدق والإخلاص هما في الحقيقة تحقيق الإيمان والإسلام فإن [ ص: 12 ] المظهرين للإسلام ينقسمون إلى مؤمن ومنافق والفارق بين المؤمن والمنافق هو الصدق فإن أساس النفاق الذي يبنى عليه هو الكذب ; ولهذا إذا ذكر الله حقيقة الإيمان نعته بالصدق كما في قوله تعالى { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } إلى قوله : { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } . وقال تعالى : { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون } .

فأخبر أن الصادقين في دعوى الإيمان هم المؤمنون الذين لم يتعقب إيمانهم ريبة وجاهدوا في سبيله بأموالهم وأنفسهم وذلك أن هذا هو العهد المأخوذ على الأولين والآخرين كما قال تعالى : { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } قال ابن عباس ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه .

وقال تعالى : { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز } فذكر تعالى أنه أنزل الكتاب والميزان وأنه أنزل الحديد لأجل القيام بالقسط ; وليعلم الله من ينصره ورسله ولهذا كان قوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر وكفى بربك هاديا ونصيرا . والكتاب والحديد وإن اشتركا في الإنزال فلا يمنع أن يكون أحدهما نزل من حيث لم ينزل الآخر . حيث نزل الكتاب من الله كما قال تعالى : { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } وقال تعالى : { الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } وقال تعالى : { وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم } والحديد أنزل من الجبال التي خلق فيها .

وكذلك وصف الصادقين في دعوى البر الذي هو جماع الدين في قوله تعالى { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين } إلى قوله { أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون } وأما المنافقون فوصفهم سبحانه بالكذب في آيات متعددة كقوله تعالى : { في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } قوله تعالى { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } .

قوله تعالى { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون } ونحو ذلك في القرآن كثير . ومما ينبغي أن يعرف أن الصدق والتصديق يكون في الأقوال وفي [ ص: 14 ] الأعمال كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح : { كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة فالعينان تزنيان وزناهما النظر والأذنان تزنيان وزناهما السمع واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي والقلب يتمنى ويشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه } .

ويقال حملوا على العدو حملة صادقة إذا كانت إرادتهم للقتال ثابتة جازمة ويقال فلان صادق الحب والمودة ونحو ذلك . ولهذا يريدون بالصادق ; الصادق في إرادته وقصده وطلبه وهو الصادق في عمله ويريدون الصادق في خبره وكلامه والمنافق ضد المؤمن الصادق وهو الذي يكون كاذبا في خبره . أو كاذبا في عمله كالمرائي في عمله . قال الله تعالى : { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس } الآيتين . وأما الإخلاص فهو حقيقة الإسلام إذ " الإسلام " هو الاستسلام لله لا لغيره كما قال تعالى : { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان } الآية .

فمن لم يستسلم لله فقد استكبر ومن استسلم لله ولغيره فقد أشرك وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام والإسلام ضد الشرك والكبر . ويستعمل لازما ومتعديا كما قال تعالى : { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } وقال تعالى : { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } وأمثال ذلك في القرآن كثير . [ ص: 15 ] ولهذا كان رأس الإسلام { شهادة أن لا إله إلا الله } وهي متضمنة عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا سواه كما قال تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } وقال تعالى : { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم } { إن الدين عند الله الإسلام } .

وهذا الذي ذكرناه مما يبين أن أصل الدين في الحقيقة هو الأمور الباطنة من العلوم والأعمال وأن الأعمال الظاهرة لا تنفع بدونها . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده : { الإسلام علانية والإيمان في القلب } ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم { الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب } وعن أبي هريرة قال : القلب ملك والأعضاء جنوده فإذا طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث الملك خبثت جنوده

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث