الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 128 ] ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون )

قوله تعالى :( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) .

اعلم أنه تعالى لما قال في حق الكفار أنهم ما كانوا أولياء البيت الحرام ، وقال :( إن أولياؤه إلا المتقون ) بين بعده ما به خرجوا من أن يكونوا أولياء البيت ، وهو أن صلاتهم عند البيت وتقربهم وعبادتهم إنما بالمكاء والتصدية . قال صاحب "الكشاف" : المكاء فعال بوزن النغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر ، والمكاء الصفير ؛ ومنه المكاء وهو طائر يألف الريف ، وجمعه المكاكي ، سمي بذلك لكثرة مكائه . وأما التصدية فهي التصفيق ، يقال : صدى يصدي تصدية إذا صفق بيديه ، وفي أصلها قولان :

الأول : أنها من الصدى وهو الصوت الذي يرجع من جبل .

الثاني : قال أبو عبيدة : أصلها تصددة ، فأبدلت الياء من الدال ، ومنه قوله تعالى :( إذا قومك منه يصدون ) [الزخرف : 57] أي يعجزون ، وأنكر بعضهم هذا الكلام ، والأزهري صحح قول أبي عبيدة . وقال : صدى أصله صدى ، فكثرت الدالات الدالة فقلبت إحداهن ياء .

إذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس : كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون .

وقال مجاهد : كانوا يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف ويستهزءون به ويصفرون ويخلطون عليه طوافه وصلاته .

وقال مقاتل : كان إذا صلى الرسول في المسجد يقومون عن يمينه ويساره بالتصفير والتصفيق ليخلطوا عليه صلاته . فعلى قول ابن عباس : كان المكاء والتصدية نوع عبادة لهم ، وعلى قول مجاهد ومقاتل ، كان إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم . والأول أقرب لقوله تعالى :( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ) .

فإن قيل : المكاء والتصدية ما كانا من جنس الصلاة فكيف يجوز استثناؤهما عن الصلاة ؟ .

قلنا : فيه وجوه :

الأول : أنهم كانوا يعتقدون أن المكاء والتصدية من جنس الصلاة ، فخرج هذا الاستثناء على حسب معتقدهم .

الثاني : أن هذا كقولك وددت الأمير فجعل جفائي صلتي ، أي أقام الجفاء مقام الصلة فكذا ههنا .

الثالث : الغرض منه أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له ، كما تقول العرب : ما لفلان عيب إلا السخاء ، يريد من كان السخاء عيبه فلا عيب له .

ثم قال تعالى :( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) أي عذاب السيف يوم بدر ، وقيل : يقال لهم في الآخرة :( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث