الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 896 ] فأما المسألة الأولى وهي موت الأبوين ، أو أحدهما .

فاختلف فيها على ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه لا يصير بذلك مسلما ، بل هو على دينه ، وهذا قول الجمهور ، وربما ادعى فيه أنه إجماع معلوم متيقن ، لأنا نعلم أن أهل الذمة لم يزالوا يموتون ، ويخلفون أولادا صغارا ، ولا نعرف قط أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحدا من الخلفاء الراشدين بعده ، ولا من بعدهم من الأئمة حكموا بإسلام أولاد الكفار بموت آبائهم ، ولا نعرف أن ذلك وقع في الإسلام مع امتناع إهمال هذا الأمر ، وإضاعته عليهم ، وهم أحرص الناس على الزيادة في الإسلام والنقصان من الكفر ، وهذا مذهب مالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد - في إحدى الروايتين عنه - اختارها شيخنا ، رحمه الله .

الثاني : أنه يحكم بإسلام الأطفال بموت الأبوين ، أو أحدهما ، سواء ماتا في دار الحرب ، أو في دار الإسلام ، وهذا قول في مذهب أحمد ، اختاره بعض أصحابه ، وهو معلوم الفساد بيقين لما سنذكره .

والقول الثالث : أنه يحكم بإسلامهم إن مات الأبوان ، أو أحدهما في دار الإسلام ، ولا يحكم بإسلامهم إن ماتا في دار الحرب ، وهذا هو المنصوص عن أحمد ، وهو اختيار عامة أصحابه ، واحتجوا على ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " كل مولود يولد على الفطرة : فأبواه يهودانه [ ص: 897 ] وينصرانه ويمجسانه " متفق عليه .

قالوا : فجعل كفره بفعل أبويه ، فإذا مات أحدهما انقطعت التبعية ، فوجب إبقاؤه على الفطرة التي ولد عليها .

قالوا : ولأن المسألة مفروضة فيمن مات أبواه في دار الإسلام ، وقضية الدار الحكم بإسلام أهلها ، ولذلك حكمنا بإسلام لقيطها ، وإنما ثبت الكفر للطفل الذي له أبوان ، تغليبا لتبعية الأبوين على حكم الدار ، فإذا عدما ، أو أحدهما وجب إبقاؤه على حكم الدار ، لانقطاع تبعيته للكافر .

قالوا : ومما يوضح ذلك أن الطفل يصير مسلما - تبعا لإسلام أبيه - فكذلك إنما صار كافرا ، تبعا لكفر أبيه ، فإذا مات الأب زال من يتبعه في كفره ، فكان الإسلام أولى به لثلاثة أوجه :

أحدها : أنه مقتضى الفطرة الأصلية التي فطر الله عليها عباده ، وإنما عارضها فعل الأبوين ، وقد زال العارض ، فعمل المقتضى عمله .

الثاني : أن الدار دار الإسلام ، ولو اختلط فيها ولد الكافر بولد المسلم - على وجه لا يتميزان - حكمنا بإسلامهما تغليبا للدار ، ولو وجد فيها لقيط في محلة الكفار لا يعرف له أب حكمنا بإسلامه تغليبا للدار ، وإنما عارض الدار قوة تبعية الأبوين ، وقد زالت بالموت ، فعمل مقتضى الدار عمله .

الثالث : أنه لو سبي الطفل منفردا عن أبويه كان مسلما عند الأئمة [ ص: 898 ] الأربعة ، وغيرهم ، بل ولو سبي مع أحد أبويه لكان مسلما في أصح الروايتين ، بل أصح القولين أنه يحكم بإسلامه ، ولو سبي معهما ، وهو مذهب الأوزاعي ، وأهل الشام ، وإحدى الروايتين عن أحمد ، فإذا حكم بإسلامه في بعض هذه الصور اتفاقا ، وفي بعضهما بالدليل الصحيح ، كما سنذكره - مع تحقق وجود الأبوين ، وإمكان عوده إلى تبعيتهما - فلأن نحكم بإسلامه مع تحقق عدم الأبوين ، واستحالة تبعيتهما أولى وأحرى .

وسر المسألة : أنه تبع لهما في الإسلام ، والكفر ، فإذا عدما زالت تبعيته ، وكانت الفطرة الأولى أولى به .

يوضحه أنه لو مات أقاربه جميعا ، ورباه الأجانب من الكفار ، فإنه لا يجوز جعله كافرا ، إذ فيه إخراج عن الفطرة التي فطر الله عليها خلقه بلا موجب ، وهذا ممتنع إذ يتضمن إدخال من فطر على التوحيد في الكفر من غير تبعية لأحد من أقاربه وهذا في غاية الفساد ، فإذا عدم الأبوان لم تكن الولاية على الطفل لغيرهما من أقاربه ، كما لا تثبت على أطفال المسلمين ، بل تكون الولاية عليه للمسلمين ، وحينئذ فيكون محكوما بإسلامه كالمسبي بدون أبويه ، وأولى .

فإن قيل : فهل تورثونه من الميت منهما ؟ قلنا : نعم ، نورثه .

نقله الحربي ، فقال : " وكذلك من مات من الأبوين على كفره قسم له - يعني للطفل - الميراث ، وكان مسلما بموت من مات منهما " وذلك [ ص: 899 ] كاف ؛ لأن إسلامه إنما يثبت بموت أبيه الذي استحق به الميراث ، فلم يتقدم الإسلام المانع عن الميراث على سبب استحقاقه ، ولأن الحرية المعلقة بالموت لا توجب الميراث فيما إذا قال سيد لعبد له : إذا مات أبوك فأنت حر ، فمات أبوه ، فإنه يعتق ولا يرث ، فيجب أن يكون الإسلام المعلق بالموت لا يمنع الميراث ، فهناك موجب الميراث فلم يوجبه ، وهنا مانع الميراث علق بالموت فلم يمنعه .

وأيضا فكونه " وارثا " أمر ثابت له قبل الموت ، ولهذا يمنع المريض من التصرف في الزائد على الثلث من ماله ، فبالموت عمل المقتضى المتقدم لأخذ المال عمله ، وهو البعضية والبنوة ، وهذا بخلاف الإسلام ، فإنه لم يكن ثابتا له قبل الموت ، بل كان كافرا حكما ، وإنما تجدد له الإسلام بموت الأب ، وهناك لم يتجدد كونه وارثا بموت الأب ، وإنما تجدد بالموت انتقال التركة إليه وهذا ظاهر جدا .

فإن قيل : فما تقولون لو مات أبوه الكافر وهو حمل ، هل يرثه ؟ قلنا : لا يرثه ، لأنا نحكم بإسلامه بمجرد موته قبل الوضع ، نص على هذا أحمد ، فيسبق الإسلام المانع من الميراث لاستحقاق الميراث ، وهذا بناء على أنه لا يرث المسلم الكافر ، وأما على القول الذي اختاره شيخنا فإنه يرثه ، وكذلك لو كان الحمل من غيره ، فأسلمت أمه قبل وضعه ، بأن يموت الذمي ، ويترك امرأة أخيه حاملا من أخيه الذمي ، فتسلم أمه قبل وضعه ، فنحكم بإسلامه قبل استحقاقه الميراث .

فإن قيل : فيلزمكم أن تحكموا بإسلام أولاد الزنا من أهل الذمة ، لانقطاع أنسابهم من آبائهم ، قيل : قد التزمه أصحاب هذا القول ، وحكموا [ ص: 900 ] بإسلامهم طردا لهذه القاعدة ، وهذا ليس بجيد ، فإن من انقطع نسبه من جهة أبيه قامت أمه مقام أبيه في التعصيب ، ولهذا تكون أمه وعصباتها عصبة له ، يرثون منه كما يرث الأب وعصباته ، لانقطاع نسبه من جهة الأب ، ويلزمهم على هذا أن يحكموا بإسلام ولد الذمي إذا لاعن عليه ، لانقطاع نسبه من جهة الأب ، وهذا لا نعلم قائله من السلف .

وأما إذا اختلط أولاد الذمة بأولاد المسلمين ، ولم يتميزوا ، فإنه يحكم بإسلامهم ، نص عليه أحمد في رواية المروذي ، فإنه قال : قلت لأبي عبد الله : ما تقول في رجل مسلم ونصراني في دار ، ولهما أولاد ، فلم يعرف ولد النصراني من ولد المسلم ؟ قال : " يجبرون على الإسلام " .

أحمد حكم بإسلام الأولاد هاهنا ؛ لأن بعضهم مسلم قطعا ، وقد اشتبه بالكافر فغلب جانب الإسلام ، ولا يلزم من هذا الحكم بإسلام من انقطع نسبه من جهة أبيه لكونه ولد زنا أو منفيا بلعان ، إذ لم يوجد هناك من يغلب لأجله الإسلام ، بل ولا شبهة إسلام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث