الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أقوال أهل النظر في إمكانية دوام نوع الحوادث

فالحاصل : أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا ؟ أو في المستقبل فقط ؟ أو الماضي فقط ؟ فيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النظر من المسلمين وغيرهم :

أضعفها : قول من يقول ، لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل ، كقول جهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف .

وثانيها قول من يقول : يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي ، كقول كثير من أهل الكلام ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم .

والثالث : قول من يقول : يمكن دوامها في الماضي والمستقبل ، كما يقوله أئمة الحديث ، وهي من المسائل الكبار . ولم يقل أحد يمكن دوامها في الماضي دون المستقبل .

[ ص: 106 ] ولا شك أن جمهور العالم من جميع الطوائف يقولون : إن كل ما سوى الله تعالى مخلوق كائن بعد أن لم يكن ، وهذا قول الرسل وأتباعهم من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم :

ومن المعلوم بالفطرة أن كون المفعول مقارنا لفاعله لم يزل ولا يزال معه - ممتنع محال ، ولما كان تسلسل الحوادث في المستقبل لا يمنع أن يكون الرب سبحانه هو الآخر الذي ليس بعده شيء ، فكذا تسلسل الحوادث في الماضي لا يمنع أن يكون سبحانه وتعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء . فإن الرب سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال ، يفعل ما يشاء ويتكلم إذا يشاء . قال تعالى : قال كذلك الله يفعل ما يشاء ( آل عمران : 40 ) . وقال تعالى : ولكن الله يفعل ما يريد ( البقرة : 253 ) . وقال تعالى : ذو العرش المجيد فعال لما يريد ( البروج : 15 - 16 ) . وقال تعالى : ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ( لقمان : 27 ) . وقال تعالى : قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ( الكهف : 109 ) .

والمثبت إنما هو الكمال الممكن الوجود ، وحينئذ فإذا كان النوع دائما فالممكن والأكمل هو التقدم على كل فرد من الأفراد بحيث لا يكون في أجزاء العالم شيء يقارنه بوجه من الوجوه .

وأما دوام الفعل فهو أيضا من الكمال ، فإن الفعل إذا كان صفة كمال فدوامه دوام الكمال .

قالوا : والتسلسل لفظ مجمل ، لم يرد بنفيه ولا إثباته كتاب ولا سنة ، ليجب مراعاة لفظه ، وهو ينقسم إلى واجب وممتنع وممكن ، [ ص: 107 ] وكالتسلسل في المؤثرين محال ممتنع لذاته ، وهو أن يكون مؤثرون كل واحد منهم استفاد تأثيره ممن قبله لا إلى غاية .

والتسلسل الواجب : ما دل عليه العقل والشرع ، من دوام أفعال الرب تعالى في الأبد ، وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيما آخر لا نفاد له ، وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف الأزل ، وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر ، فهذا واجب في كلامه ، فإنه لم يزل متكلما إذا شاء ، ولم تحدث له صفة الكلام في وقت ، وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته ، فإن كل حي فعال ، والفرق بين الحي والميت بالفعل ، ولهذا قال غير واحد من السلف : الحي الفعال ، وقال عثمان بن سعيد : كل حي فعال ، ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الأوقات معطلا عن كماله ، من الكلام والإرادة والفعل .

وأما التسلسل الممكن : فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف ، كما تتسلسل في طرف الأبد ، فإنه إذا لم يزل حيا قادرا مريدا متكلما ، وذلك من لوازم ذاته - فالفعل ممكن له بوجوب هذه الصفات له ، [ ص: 108 ] وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل ، ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه ، فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من مخلوقاته تقدما لا أول له ، فلكل مخلوق أول ، والخالق سبحانه لا أول له ، فهو وحده الخالق ، وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن .

قالوا : وكل قول سوى هذا فصريح العقل يرده ويقضي ببطلانه ، وكل من اعترف بأن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل لزمه أحد أمرين ، لا بد له منهما : إما أن يقول بأن الفعل لم يزل ممكنا ، وإما أن يقول لم يزل واقعا ، وإلا تناقض تناقضا بينا ، حيث زعم أن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل ، والفعل محال ممتنع لذاته ، لو أراده لم يمكن وجوده ، بل فرض إرادته عنده محال وهو مقدور له . وهذا قول ينقض بعضه بعضا .

والمقصود : أن الذي دل عليه الشرع والعقل ، أن كل ما سوى الله تعالى محدث كائن بعد أن لم يكن . أما كون الرب تعالى لم يزل معطلا عن الفعل ثم فعل ، فليس في الشرع ولا في العقل ما يثبته ، بل كلاهما يدل على نقيضه .

وقد أورد أبو المعالي في إرشاده وغيره من النظار على [ ص: 109 ] التسلسل في الماضي ، فقالوا : لأنك لو قلت : لا أعطيك درهما إلا أعطيك بعده درهما ، كان هذا ممكنا ، ولو قلت : لا أعطيك درهما حتى أعطيك قبله درهما ، كان هذا ممتنعا .

وهذا التمثيل والموازنة غير صحيحة ، بل الموازنة الصحيحة أن تقول : ما أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله درهما ، فتجعل ماضيا قبل ماض ، كما جعلت هناك مستقبلا بعد مستقبل . وأما قول القائل : لا أعطيك حتى أعطيك قبله ، فهو نفي للمستقبل حتى يحصل في المستقبل ويكون قبله . فقد نفى المستقبل حتى يوجد المستقبل ، وهذا ممتنع . لم ينف الماضي حتى يكون قبله ماض ، فإن هذا ممكن . والعطاء المستقبل ابتداؤه من المعطي . والمستقبل الذي له ابتداء وانتهاء لا يكون قبله ما لا نهاية له ، فإن ما لا نهاية له فيما يتناهى ممتنع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث