الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط



ومع ذا مطلع إليهمو بعلمه مهيمن عليهم     وذكره للقرب والمعيه
لم ينف للعلو والفوقيه     فإنه العلي في دنوه
وهو القريب جل في علوه

.

( ومع ذا ) الاتصاف بالعلو والاستواء على العرش والمباينة منه لخلقه تبارك وتعالى ، فهو ( مطلع ) - سبحانه وتعالى - ( إليهمو ) الواو للإشباع ( بعلمه ) المحيط بجميع المعلومات ، لا تخفى عليه منهم خافية ، كما جمع - تبارك وتعالى - بين ذلك في قوله عز وجل : ( الرحمن على العرش استوى له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ) ، ( طه : 5 - 7 ) ، فجمع - تعالى - بين استوائه على عرشه ، وبين علمه السر وأخفى ، وكذلك جمع - عز وجل - بينهما في قوله تعالى : ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ) ، ( الحديد : 3 ) ، وهو الأول فليس قبله شيء ، والآخر فليس بعده شيء ، والظاهر فليس فوقه شيء ، والباطن فليس دونه شيء ، هكذا فسره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة عند مسلم ، وكذلك جمع - تعالى - بينهما في الآية التي تليها ، فقال عز وجل : ( هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون ) [ ص: 205 ] ( الحديد : 4 ) ، وكذلك جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين هذين المعنيين في حديث الأوعال ، إذ يقول : والله فوق العرش ، وهو يعلم ما أنتم عليه . وغير ذلك من الآيات والأحاديث ، وهو إجماع المؤمنين .

( مهيمن ) رقيب ( عليهمو ) بواو الإشباع ( وذكره ) تبارك وتعالى ( للقرب ) في قوله عز وجل : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) ، ( البقرة : 186 ) ، وقوله تعالى : ( إنه سميع قريب ) ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الصحيحين : إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته . وكذلك ذكره ( المعيه ) العامة في قوله تعالى : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما ) ، ( المجادلة : 7 ) ، وقوله عز وجل : ( وهو معكم أين ما ) ، ( الحديد : 4 ) ، وكذا المعية الخاصة في قوله عز وجل : ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) ، ( النحل : 128 ) ، وقوله : ( واصبروا إن الله مع الصابرين ) ، ( الأنفال : 46 ) ، وقوله لموسى وهارون : ( إنني معكما أسمع وأرى ) ، ( طه : 46 ) ، وقوله في قصة نبينا - صلى الله عليه وسلم - مع الصديق رضي الله عنه : ( إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) ، ( التوبة : 40 ) ، كل ذلك لم ( ينف العلو ) المذكور في النصوص السابقة من الكتاب والسنة ، وإجماع الأمة من أنه - تعالى - مستو على عرشه ، بائن من خلقه ، ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) ، ( تعرج الملائكة والروح إليه ) ، ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ) ، ( والفوقيه ) عطف على العلو وهو رديفه في المعنى ، أي ولم ينف قوله عز وجل : ( وهو القاهر فوق عباده ) ، ( الأنعام : 18 ) ، وقوله : ( يخافون ربهم من فوقهم ) ، ( النحل : 50 ) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : والله فوق العرش ، وهو يعلم ما أنتم عليه . بل كل ذلك حق على حقيقته ، ولا منافاة بين قربه - عز وجل - وبين علوه ( فإنه ) [ ص: 206 ] هو ( العلي ) المتصف بجميع معاني العلو ذاتا وقهرا وشأنا ( في دنوه ) فيدنو - تعالى - من خلقه كيف شاء ، وينزل إلى السماء الدنيا في آخر كل ليلة ، وعشية عرفة ، وغير ذلك كيف شاء ، ويأتي لفصل القضاء بين عباده كيف شاء ، وليس ذلك منافيا لفوقيته فوق عباده ، واستوائه على عرشه ، فإنه ليس كمثله شيء في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله ، ومعيته العامة في قوله تعالى : ( وهو معكم أين ما ) معناها إحاطته بهم علما وقدرة ، كما يدل عليه أول السياق وآخره ، وهو إجماع الصحابة والتابعين ، كما تقدم نقل إجماعهم على ذلك .

وأما معيته الخاصة لأحبابه وأوليائه فتلك غير المعية العامة ، فهو معهم بالإعانة والرعاية ، والكفاية والنصر ، والتأييد والهداية ، والتوفيق والتسديد ، وغير ذلك مما تجفو عبارة المخلوق عنه ، ويقصر تعريفه دونه ، وكفاك قول الله - عز وجل - فيما رواه عنه نبيه - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول : ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته ، كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها . وفي بعض الروايات : وقلبه الذي يعقل به ، ولسانه الذي ينطق به . وليس معنى ذلك أن يكون جوارح للعبد ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وإنما المراد أن من اجتهد بالتقرب إلى الله - عز وجل - بالفرائض ثم بالنوافل قربه إليه ، ورقاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان ، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة كأنه يراه ، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله - تعالى - ومحبته ، وعظمته وخوفه ، ومهابته وإجلاله ، والأنس به والشوق إليه ، حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة مشاهدا له بعين البصيرة ، وإلى هذا المعنى أشار - صلى الله عليه وسلم - بقوله : أحبوا الله من كل قلوبكم .

فمتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى ، محا ذلك من القلب كل ما سواه ، ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه ، ولا إرادة إلا لما يريد منه مولاه ، فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره ، ولا يتحرك إلا بأمره ، فإن نطق نطق بالله ، وإن سمع سمع به ، وإن نظر نظر به ، وإن بطش بطش به ، فهذا هو المراد بقوله - عز [ ص: 207 ] وجل : كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها .

ومن أشار إلى غير هذا ، فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول والاتحاد ، والله ورسوله بريئان منه .

( وهو القريب جل في علوه ) فهو - سبحانه وتعالى - مستو على عرشه ، عال على جميع خلقه ، وهو قريب يجيب دعوة الداع إذا دعاه ، ويعلم سره ونجواه ، وهو أقرب إلى داعيه من عنق راحلته ، ويعلم ما توسوس به نفس الإنسان ، وهو أقرب إليه من حبل الوريد ، فإن الذي عند عنق راحلته ، أو عند حبل وريده لا يعلم ما خفي عليه من كلامه ، والله - عز وجل - على عرشه ، ويعلم السر وأخفى ، ويعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها ، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ، وهو مع خلقه بعلمه وقدرته ، لا تخفى عليه منهم خافية ، وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، فهو على كل شيء شهيد ، وبكل شيء محيط ، فهو - سبحانه - القريب في علوه ، العلي في دنوه ، هو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، وهو بكل شيء عليم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث