الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الفصل الأول : في حكم عقد قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - من وقت نبوته

اعلم - منحنا الله ، وإياك توفيقه - ، أن ما تعلق منه بطريق التوحيد ، والعلم بالله ، وصفاته ، والإيمان به ، وبما أوحي إليه فعلى غاية المعرفة ، ووضوح العلم ، واليقين ، والانتفاء عن الجهل بشيء من ذلك ، أو الشك أو الريب فيه ، والعصمة من كل ما يضاد المعرفة بذلك واليقين .

هذا ما وقع إجماع المسلمين عليه ، ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء سواه ، ولا يعترض على هذا بقول إبراهيم - عليه السلام - . قال بلى ولكن ليطمئن قلبي إذ لم يشك إبراهيم في إخبار الله - تعالى - له بإحياء الموتى ، ولكن أراد طمأنينة القلب ، وترك المنازعة لمشاهدة الإحياء ، فحصل له العلم الأول بوقوعه ، وأراد العلم الثاني بكيفيته ، ومشاهدته .

الوجه الثاني : أن إبراهيم - عليه السلام - إنما أراد اختبار منزلته عند ربه ، وعلم إجابته دعوته بسؤال ذلك من ربه ، ويكون قوله - تعالى - : أولم تؤمن [ البقرة : 260 ] ، أي تصدق بمنزلتك مني ، وخلتك ، واصطفائك ؟ .

الوجه الثالث : أنه سأل زيادة يقين ، وقوة طمأنينة ، وإن لم يكن في الأول شك ، إذ العلوم الضرورية والنظرية قد تتفاضل في قوتها ، وطريان الشكوك على الضروريات ممتنع ، ومجوز في النظريات ، فأراد الانتقال من النظر ، والخبر إلى المشاهدة ، والترقي من علم اليقين إلى عين [ ص: 460 ] اليقين ، فليس الخبر كالمعاينة ، ولهذا قال سهل بن عبد الله : سأل كشف غطاء العيان ليزداد بنور اليقين تمكنا في حاله .

الوجه الرابع : أنه لما احتج على المشركين بأن ربه يحيي ، ويميت طلب ذلك من ربه ، ليصح احتجاجه عيانا .

الوجه الخامس : قول بعضهم : هو سؤال على طريق الأدب ، والمراد : أقدرني على إحياء الموتى ، وقوله : ليطمئن قلبي عن هذه الأمنية .

الوجه السادس : أنه أرى من نفسه الشك ، وما شك ، لكن ليجاوب فيزداد قربه .

وقول نبينا : نحن أحق بالشك من إبراهيم نفي لأن يكون إبراهيم شك ، وإبعاد للخواطر الضعيفة أن تظن هذا بإبراهيم ، أي نحن موقنون بالبعث ، وإحياء الله الموتى ، فلو شك إبراهيم لكنا أولى بالشك منه ، إما على طريق الأدب ، أو أن يريد أمته الذين يجوز عليهم الشك ، أو على طريق التواضع ، والإشفاق إن حملت قصة إبراهيم على اختبار حاله ، أو زيادة يقينه .

فإن قلت : فما معنى قوله : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك [ يونس : 94 ] الآيتين .

فاحذر ثبت الله قلبك أن يخطر ببالك ما ذكره بعض المفسرين عن ابن عباس أو غيره من إثبات شك النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما أوحي إليه ، وأنه من البشر ، فمثل هذا لا يجوز عليه جملة ، بل قد قال ابن عباس ، وغيره : لم يشك النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يسأل .

ونحوه عن ابن جبير ، والحسن .

وحكى قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما أشك ، ولا أسأل وعامة المفسرين على هذا .

واختلفوا في معنى الآية : فقيل : المراد قل يا محمد للشاك : فإن كنت في شك [ يونس : 94 ] الآية . .

قالوا : وفي السورة نفسها ما دل على هذا التأويل قوله : قل ياأيها الناس إن كنتم في شك من ديني [ يونس : 104 ] الآية . .

وقيل : المراد بالخطاب العرب ، وغير النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كما قال : لئن أشركت ليحبطن عملك [ الزمر : 65 ] الآية . الخطاب له ، والمراد غيره .

ومثله : فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء [ هود : 109 ] ، ونظيره كثير .

قال بكر بن العلاء : ألا تراه يقول : ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله ؟ [ يونس : 95 ] الآية . وهو - صلى الله عليه وسلم - كان المكذب فيما يدعو إليه ، فكيف يكون ممن كذب به ؟ .

[ ص: 461 ] فهذا كله يدل على أن المراد بالخطاب غيره .

ومثل هذه الآية قوله : الرحمن فاسأل به خبيرا [ الفرقان : 59 ] المأمور هاهنا غير النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ليسأل النبي ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو الخبير المسئول ، لا المستخبر السائل .

وقال : إن هذا الشك الذي أمر به غير النبي - صلى الله عليه وسلم - بسؤال الذين يقرءون الكتاب إنما هو فيما قصه الله من أخبار الأمم ، لا فيما دعا إليه من التوحيد ، والشريعة .

ومثل هذا قوله - تعالى - : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا [ الزخرف : 45 ] الآية . المراد به المشركون ، والخطاب مواجهة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، قاله القتيبي .

وقيل معناه : سلنا عمن أرسلنا من قبلك ، فحذف الخافض ، وتم الكلام ، ثم ابتدأ : أجعلنا من دون الرحمن [ الزخرف : 45 ] الآية . إلى آخر الآية ، على طريق الإنكار ، أي ما جعلنا ، حكاه مكي .

وقيل : أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسأل الأنبياء ليلة الإسراء عن ذلك ، فكان أشد يقينا من أن يحتاج إلى السؤال .

فروي أنه قال : لا أسأل ، قد اكتفيت قاله ابن زيد .

وقيل : سل أمم من أرسلنا ، هل جاءوهم بغير التوحيد ؟ ، وهو معنى قول مجاهد ، والسدي ، والضحاك ، وقتادة .

والمراد بهذا ، والذي قبله إعلامه - صلى الله عليه وسلم - بما بعثت به الرسل ، وأنه - تعالى - لم يأذن في عبادة غيره لأحد ، ردا على مشركي العرب ، وغيرهم ، في قولهم : إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى .

وكذلك قوله - تعالى - : والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين [ الأنعام : 114 ] ، أي في عملهم بأنك رسول الله ، وإن لم يقروا بذلك ، وليس المراد به شكه فيما ذكر في أول الآية .

وقد يكون أيضا على مثل ما تقدم ، أي قل يا محمد لمن امترى في ذلك : لا تكونن من الممترين ، بدليل قوله أول الآية : أفغير الله أبتغي حكما [ الأنعام : 114 ] ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخاطب بذلك غيره .

وقيل : هو تقرير ، كقوله - تعالى - : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله [ المائدة : 116 ] ، وقد علم أنه لم يقل .

وقيل : معناه ما كنت في شك فاسأل تزدد طمأنينة ، وعلما إلى علمك ويقينك .

وقيل : إن كنت تشك فيما شرفناك ، وفضلناك به فسلهم عن صفتك في الكتب ، ونشر فضائلك .

وحكي عن أبي عبيدة أن المراد : إن كنت في شك من غيرك فيما أنزلنا .

فإن قيل : فما معنى قوله : حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا [ يوسف : 110 ] على قراءة التخفيف ؟

قلنا : المعنى في ذلك ما قالته عائشة - رضي الله عنها - : معاذ الله أن تظن ذلك الرسل [ ص: 462 ] بربها ، وإنما معنى ذلك أن الرسل لما استيأسوا ظنوا أن من وعدهم النصر من أتباعهم كذبوهم ، وعلى هذا أكثر المفسرين .

وقيل : إن الضمير في [ ظنوا ] عائد على الأتباع ، والأمم ، لا على الأنبياء والرسل ، وهو قول ابن عباس ، والنخعي ، وابن جبير ، وجماعة من العلماء .

وبهذا المعنى قرأ مجاهد [ كذبوا ] بالفتح ، فلا تشغل بالك من شاذ التفسير بسواه مما لا يليق بمنصب العلماء ، فكيف بالأنبياء ؟ ! .

وكذلك ما ورد في حديث السيرة ، ومبتدأ الوحي ، من قوله - صلى الله عليه وسلم - لخديجة : لقد خشيت على نفسي ليس معناه الشك فيما آتاه الله بعد رؤية الملك ، ولكن لعله خشي ألا تحتمل قوته مقاومة الملك ، وأعباء الوحي ، فينخلع قلبه ، أو تزهق نفسه .

وهذا على ما ورد في الصحيح : أنه قاله بعد لقائه الملك ، أو يكون ذلك قبل لقياه ، وإعلام الله له بالنبوة لأول ما عرضت عليه من العجائب ، وسلم عليه الحجر والشجر ، وبدأته المنامات والتباشير ، كما روي في بعض طرق هذا الحديث : أن ذلك كان أولا في المنام ، ثم أري في اليقظة مثل ذلك ، تأنيسا له - عليه السلام - ، لئلا يفجأه الأمر مشاهدة ، ومشافهة ، فلا يحتمله لأول حالة بنية البشرية .

وفي الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها - : أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الوحي الرؤيا الصادقة ، قالت : ثم حبب إليه الخلاء ، وقالت : إلى أن جاءه الحق ، وهو في غار حراء . . . الحديث .

وعن ابن عباس : مكث النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصوت ، ويرى الضوء سبع سنين ، ولا يرى شيئا ، وثمان سنين يوحى إليه .

وقد روى ابن إسحاق عن بعضهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ، وذكر جواره بغار حراء ، قال : فجاءني وأنا نائم فقال : اقرأ ، فقلت ما أقرأ ؟ ، وذكر نحو حديث عائشة في [ ص: 463 ] غطه له ، وإقرائه له : اقرأ باسم ربك الذي خلق [ العلق : 1 ] السورة .

قال : فانصرف عني ، وهببت من نومي كأنما صورت في قلبي ، ولم يكن أبغض إلي من شاعر أو مجنون .

قلت : لا تحدث عني قريش بهذا أبدا ، لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه ، فلأقتلنها فبينا أنا عامد لذلك إذ سمعت مناديا ينادي من السماء : يا محمد ، أنت رسول الله ، وأنا جبريل ، فرفعت رأسي فإذا جبريل على صورة رجل
. . . وذكر الحديث .

فقد بين في هذا أن قوله لما قال ، وقصده لما قصد ، إنما كان قبل لقاء جبريل - عليهما السلام - ، وقبل إعلام الله - تعالى - له بالنبوة ، وإظهاره واصطفائه له بالرسالة .

ومثله حديث عمرو بن شرحبيل أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لخديجة : إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء ، وقد خشيت ، والله أن يكون هذا لأمر .

ومن رواية حماد بن سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لخديجة : إني لأسمع صوتا ، وأرى ضوءا ، وأخشى أن يكون بي جنون .

وعلى هذا يتأول لو صح قوله في بعض هذه الأحاديث : إن الأبعد شاعر أو مجنون ، وألفاظا يفهم منها معاني الشك في تصحيح ما رآه ، وأنه كان كله في ابتداء أمره ، وقبل لقاء الملك له ، وإعلام الله أنه رسوله ، فكيف وبعض هذه الألفاظ لا تصح طرقها .

وأما بعد إعلام الله - تعالى - له ، ولقائه الملك فلا يصح فيه ريب ، ولا يجوز عليه شك فيما ألقي إليه .

وقد روى ابن إسحاق عن شيوخه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرقى بمكة من العين قبل أن ينزل عليه ، فلما نزل عليه القرآن أصابه نحو ما كان يصيبه ، فقالت له خديجة : أوجه إليك من يرقيك ؟ قال : أما الآن فلا .

وحديث خديجة ، واختبارها أمر جبريل بكشف رأسها . [ الحديث ] إنما ذلك في حق خديجة لتتحقق صحة نبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن الذي يأتيه ملك ، ويزول الشك عنها ، لا أنها فعلت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وليختبر هو حاله بذلك .

بل قد ورد في حديث عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة أن ورقة أمر خديجة أن تخبر الأمر بذلك .

وفي حديث إسماعيل بن أبي حكيم أنها قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا ابن عم ، هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك إذا جاءك ؟ قال : نعم ، فلما جاء جبريل أخبرها ، فقالت له : اجلس إلى شقي . . . وذكر الحديث إلى آخره ، وفيه : قالت : ما هذا [ ص: 464 ] بشيطان هذا الملك يا ابن عم ، فاثبت ، وأبشر ، وآمنت به .

فهذا يدل على أنها مستثبتة بما فعلته لنفسها ، ومستظهرة لإيمانها ، لا للنبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقول معمر في فترة الوحي : فحزن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كاد يتردى من شواهق الجبال . لا يقدح في هذا الأصل ، لقول معمر عنه فيما بلغنا ، ولم يسنده ، ولا ذكر رواته ، ولا من حدث به ، ولا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله ، ولا يعرف مثل هذا إلا من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، مع أنه قد يحمل على أنه كان أول الأمر كما ذكرناه ، أو أنه فعل ذلك لما أخرجه من تكذيب من بلغه ، كما قال - تعالى - : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا [ الكهف : 6 ] .

ويصحح معنى هذا التأويل حديث رواه شريك ، عن محمد بن عبد الله بن عقيل ، عن جابر بن عبد الله أن المشركين لما اجتمعوا بدار الندوة للتشاور في شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واتفق رأيهم على أن يقولوا : إنه ساحر اشتد ذلك عليه ، وتزمل في ثيابه ، وتدثر فيها ، فأتاه جبريل فقال : ياأيها المزمل [ المزمل : 1 ] ياأيها المدثر [ المدثر : 1 ] .

أو خاف أن الفترة لأمر أو سبب منه ، فخشي أن تكون عقوبة من ربه ، ففعل ذلك بنفسه ، ولم يرد بعد شرع بالنهي عن ذلك ، فيعترض به .

ونحو هذا فرار يونس - عليه السلام - خشية تكذيب قومه له ، لما وعدهم به من العذاب ، وقول الله في يونس : فظن أن لن نقدر عليه [ الأنبياء : 87 ] معناه أن لن نضيق عليه .

قال مكي : طمع في رحمة الله ، وأن لا يضيق عليه مسلكه في خروجه .

وقيل : حسن ظنه بمولاه أنه لا يقضي عليه العقوبة .

وقيل : نقدر عليه ما أصابه .

وقد قرئ : نقدر عليه بالتشديد .

وقيل : نؤاخذه بغضبه ، وذهابه .

وقال ابن زيد : معناه : أفظن أن لن نقدر عليه ؟ على الاستفهام .

ولا يليق أن يظن بنبي أنه يجهل صفة من صفات ربه .

وكذلك قوله : إذ ذهب مغاضبا [ الأنبياء : 87 ] الصحيح مغاضبا لقومه لكفرهم ، وهو قول ابن عباس ، والضحاك ، وغيرهما ، لا لربه عز وجل ، إذ مغاضبة الله معاداة له ، ومعاداة الله كفر لا يليق بالمؤمنين ، فكيف بالأنبياء ؟ !

وقيل : مستحييا من قومه أن يسموه بالكذب أو يقتلوه ، كما ورد في الخبر .

وقيل : مغاضبا لبعض الملوك فيما أمره به من التوجه إلى أمر أمره الله به على لسان نبي آخر ، فقال له يونس : غيري أقوى عليه مني ، فعزم [ ص: 465 ] عليه فخرج لذلك مغاضبا .

وقد روي عن ابن عباس ، أن إرسال يونس ، ونبوته إنما كان بعد أن نبذه الحوت ، واستدل من الآية بقوله : فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مائة ألف [ الصافات : 145 - 147 ] .

ويستدل أيضا بقوله : ولا تكن كصاحب الحوت [ القلم : 48 ] ، وذكر القصة .

ثم قال : فاجتباه ربه فجعله من الصالحين [ القلم : 50 ] ، فتكون هذه القصة إذا قبل نبوته .

فإن قيل : فما معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - : إنه ليغان على قلبي ، فأستغفر الله كل يوم مائة مرة .

وفي طريق : في اليوم أكثر من سبعين مرة .

فاحذر أن يقع ببالك أن يكون هذا الغين ، وسوسة أو ريبا ، وقع في قلبه - عليه السلام - ، بل أصل الغين في هذا : ما يتغشى القلب ، ويغطيه ، قاله أبو عبيد ، وأصله من غين السماء ، وهو إطباق الغيم عليها .

وقال غيره : والغين شيء يغشي القلب ، ولا يغطيه كل التغطية ، كالغيم الرقيق الذي يعرض في الهواء ، فلا يمنع ضوء الشمس .

وكذلك لا يفهم من الحديث أنه يغان على قلبه مائة مرة أو أكثر من سبعين مرة في اليوم ، إذ ليس يقتضيه لفظه الذي ذكرناه ، وهو أكثر الروايات ، وإنما هذا عدد للاستغفار لا للغين ، فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه ، وفترات نفسه ، وسهوها عن مداومة الذكر ، ومشاهدة الحق بما كان - صلى الله عليه وسلم - دفع إليه من مقاساة البشر ، وسياسة الأمة ، ومعاناة الأهل ، ومقاومة الولي ، والعدو ، ومصلحة النفس ، وكلفه من أعباء أداء الرسالة ، وحمل الأمانة ، وهو في كل هذا في طاعة ربه ، وعبادة خالقه ، ولكن لما كان - صلى الله عليه وسلم - أرفع الخلق عند الله مكانة ، وأعلاهم درجة ، وأتمهم به معرفة ، وكانت حاله عند خلوص قلبه ، وخلو همته ، وتفرده بربه ، وإقباله بكليته عليه ، ومقامه هنالك أرفع حاليه رأى - صلى الله عليه وسلم - حال فترته عنها ، وشغله بسواها ، غضا من علي حاله ، وخفضا من رفيع مقامه ، فاستغفر الله من ذلك . هذا أولى وجوه الحديث ، وأشهرها .

وإلى معنى ما أشرنا به مال كثير من الناس ، وحام حوله ، فقارب ، ولم يرد .

وقد قربنا غامض معناه ، وكشفنا للمستفيد محياه ، وهو مبني على جواز الفترات ، والغفلات ، والسهو في غير طريق البلاغ ، على ما سيأتي .

وذهبت طائفة من أرباب القلوب ، ومشيخة المتصوفة ، ممن قال بتنزيه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا جملة ، وأجله أن يجوز عليه في حال سهو أو فترة إلى أن معنى الحديث : ما يهم خاطره ، ويغم فكره من أمر أمته - صلى الله عليه وسلم - ، لاهتمامه بهم ، وكثرة شفقته عليهم ، فيستغفر لهم .

قالوا : وقد يكون الغين هنا على قلبه السكينة تتغشاه ، لقوله - تعالى - : فأنزل الله سكينته عليه [ التوبة : 40 ] ، ويكون استغفاره - صلى الله عليه وسلم - عندها إظهارا للعبودية ، والافتقار .

قال ابن عطاء : استغفاره [ ص: 466 ] وفعله هذا تعريف للأمة بحملهم على الاستغفار .

وقال غيره : ويستشعرون الحذر ، ولا يركنون إلى الأمن .

وقد يحتمل أن تكون هذه الإعانة حالة خشية ، وإعظام تغشى قلبه ، فيستغفر حينئذ شكرا لله ، وملازمة لعبوديته ، كما قال في ملازمة العبادة : أفلا أكون عبدا شكورا .

وعلى هذه الوجوه الأخيرة يحمل ما روي في بعض طرق هذا الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - : إنه ليغان على قلبي في اليوم أكثر من سبعين مرة ، فأستغفر الله .

فإن قلت : فما معنى قوله - تعالى - لمحمد - صلى الله عليه وسلم - : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين [ الأنعام : 35 ] .

وقوله لنوح - عليه السلام - : ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين [ هود : 46 ] ؟ .

فاعلم أنه لا يلتفت في ذلك إلى قول من قال في آية نبينا - صلى الله عليه وسلم - : لا تكونن ممن يجهل أن الله لو شاء لجمعهم على الهدى . وفي آية نوح : لا تكونن ممن يجهل أن وعد الله حق ، لقوله : وإن وعدك الحق إذ فيه إثبات الجهل بصفة من صفات الله ، وذلك لا يجوز على الأنبياء .

والمقصود ، وعظهم ألا يتشبهوا في أمورهم بسمات الجاهلين ، كما قال : إني أعظك . وليس في آية منهما دليل على كونهم على تلك الصفة التي نهاهم عن الكون عليها ، فكيف ؟ ، وآية نوح قبلها : ما ليس لك به علم إني أعظك [ هود : 46 ] . فحمل ما بعدها على ما قبلها أولى ، لأن مثل هذا قد يحتاج إلى إذن .

وقد تجوز إباحة السؤال فيه ابتداء ، فنهاه الله أن يسأله عما طوى عنه علمه ، وأكنه من غيبه من السبب الموجب لهلاك ابنه .

ثم أكمل الله - تعالى - نعمته عليه بإعلامه ذلك بقوله : إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح . [ هود : 46 ] حكى معناه مكي .

كذلك أمر نبينا في الآية الأخرى بالتزام الصبر على إعراض قومه ، ولا يحرج عند ذلك ، فيقارب حال الجاهل بشدة التحسر . حكاه ابن فورك .

وقيل : معنى الخطاب لأمة محمد ، أي فلا تكونوا من الجاهلين . حكاه أبو محمد مكي ، وقال : مثله في القرآن كثير .

فبهذا الفضل وجب القول بعصمة الأنبياء منه بعد النبوة قطعا .

فإن قلت : فإذا قررت عصمتهم من هذا ، وأنه لا يجوز عليهم شيء من ذلك فما معنى إذا وعيد الله لنبينا - صلى الله عليه وسلم - على ذلك إن فعله ، وتحذيره منه ، كقوله : لئن أشركت ليحبطن عملك [ الزمر : 65 ] الآية . .

وقوله - تعالى - : [ ص: 467 ] ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك [ يونس : 106 ] الآية . .

وقوله - تعالى - : إذا لأذقناك ضعف الحياة [ الإسراء : 75 ] الآية . .

وقوله : لأخذنا منه باليمين [ الحاقة : 45 ] .

وقوله : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله [ الأنعام : 116 ] .

وقوله : فإن يشأ الله يختم على قلبك [ الشورى : 24 ] .

وقوله : وإن لم تفعل فما بلغت رسالته [ المائدة : 67 ] .

وقوله : اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين [ الأحزاب : 1 ] .

فاعلم وفقنا الله ، وإياك أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يصح ، ولا يجوز عليه ، ألا يبلغ وأن يخالف أمر ربه ، ولا أن يشرك به ، ولا يتقول على الله ما لا يحب ، أو يفتري عليه ، أو يضل أو يختم على قلبه ، أو يطيع الكافرين ، لكن يسر أمره بالمكاشفة والبيان في البلاغ للمخالفين ، وأن إبلاغه إن لم يكن بهذه السبيل فكأنه ما بلغ .

وطيب نفسه ، وقوى قلبه بقوله : والله يعصمك من الناس [ المائدة : 67 ] ، كما قال لموسى ، وهارون : لا تخافا [ طه : 46 ] ، لتشتد بصائرهم في الإبلاغ ، وإظهار دين الله ، ويذهب عنهم خوف العدو المضعف للنفس .

وأما قوله - تعالى - : ولو تقول علينا بعض الأقاويل [ الحاقة : 44 ] الآية . .

وقوله : إذا لأذقناك ضعف الحياة [ الإسراء : 75 ] فمعناه أن هذا جزاء من فعل هذا وجزاؤك لو كنت ممن يفعله ، وهو لا يفعله .

وكذلك قوله : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله [ الأنعام : 116 ] ، فالمراد غيره ، كما قال : إن تطيعوا الذين كفروا [ آل عمران : 149 ] الآية . .

وقوله : فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور [ الشورى : 24 ] ، و لئن أشركت ليحبطن عملك [ الزمر : 65 ] ، وما أشبهه ، فالمراد غيره ، وأن هذه حال من أشرك ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز عليه هذا .

وقوله : اتق الله ولا تطع الكافرين [ الأحزاب : 1 ] فليس فيه أنه أطاعهم ، والله ينهاه عما يشاء ، ويأمره بما يشاء ، كما قال : ولا تطرد الذين يدعون ربهم [ الأنعام : 52 ] الآية . .

وما كان طردهم - صلى الله عليه وسلم - ، ولا كان من الظالمين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث