الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الفصل التاسع عشر : تواضعه - صلى الله عليه وسلم -

وأما تواضعه - صلى الله عليه وسلم - ، على علو منصبه ، ورفعة رتبته فكان أشد الناس تواضعا ، وأعدمهم كبرا . وحسبك أنه خير بين أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا ، فاختار أن يكون نبيا عبدا ، فقال له إسرافيل عند ذلك : فإن الله قد أعطاك بما تواضعت له أنك سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من تنشق الأرض عنه ، وأول شافع .

[ حدثنا أبو الوليد بن العواد الفقيه - رحمه الله - بقراءتي عليه في منزله بقرطبة سنة سبع وخمسمائة ، قال : حدثنا أبو علي الحافظ ، حدثنا أبو عمر ، حدثنا ابن عبد المؤمن حدثنا ابن داسة ، حدثنا أبو داود ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبد الله بن نمير ، عن مسعر ، عن أبي العنبس ، عن أبي العدبس ، عن أبي مرزوق ، عن أبي غالب ] ، عن أبي أمامة رضي الله عنه ، قال : خرج [ ص: 192 ] علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوكئا على عصا ، فقمنا له . فقال : لا تقوموا كما تقوم الأعاجم ، يعظم بعضهم بعضا . وقال : إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد .

وكان - صلى الله عليه وسلم - يركب الحمار ، ويردف خلفه ، ويعود المساكين ، ويجالس الفقراء ، ويجيب دعوة العبد ، ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم حيثما انتهى به المجلس جلس .

وفي حديث عمر عنه - صلى الله عليه وسلم - : لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ، ورسوله .

وعن أنس - رضي الله عنه - أن امرأة كان في عقلها شيء جاءته ، فقالت : إن لي إليك حاجة قال : اجلسي يا أم فلان في أي طرق المدينة شئت أجلس إليك حتى أقضي حاجتك . قال : فجلست ، فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها حتى فرغت من حاجتها .

قال أنس : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركب الحمار ، ويجيب دعوة العبد ، وكان يوم بني قريظة على حمار مغطوم بحبل من ليف عليه إكاف . قال : وكان يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب .

قال : وحج - صلى الله عليه وسلم - على رحل رث ، وعليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم ، فقال : اللهم اجعله حجا لا رياء فيه ، ولا سمعة .

هذا ، وقد فتحت عليه الأرض ، وأهدى في حجه ذلك مائة بدنة ، ولما فتحت عليه مكة ، ودخلها بجيوش المسلمين طأطأ على رحله رأسه حتى كاد يمس [ ص: 193 ] قادمته تواضعا لله - تعالى - .

ومن تواضعه - صلى الله عليه وسلم - قوله : لا تفضلوني على يونس - ابن متى - ولا تفضلوا بين الأنبياء ، ولا تخيروني على موسى ، ونحن أحق بالشك من إبراهيم ، ولو لبثت ما لبث يوسف في السجن لأجبت الداعي . وقال للذي قال له : يا خير البرية : ذاك إبراهيم .

وسيأتي الكلام على هذه الأحاديث بعد هذا إن شاء الله تعالى .

وعن عائشة ، والحسن ، وأبي سعيد ، وغيرهم في صفته ، وبعضهم يزيد على بعض : وكان في بيته في مهنة أهله يفلي ثوبه ، ويحلب شاته ، ويرقع ثوبه ، ويخصف نعله ، ويخدم نفسه ، ويقم البيت ، ويعقل البعير ، ويعلف ناضحه ، ويأكل مع الخادم ، ويعجن معها ، ويحمل بضاعته من السوق .

وعن أنس : - رضي الله عنه - إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتنطلق به حيث شاءت حتى تقضي حاجتها .

ودخل عليه رجل فأصابته من هيبته رعدة فقال له : هون عليك فإني لست بملك ، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد .

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - : [ ص: 194 ] دخلت السوق مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فاشترى سراويل ، وقال للوزان : زن ، وأرجح ، وذكر القصة قال : فوثب إلى يد النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبلها ، فجذب يده ، وقال : هذا تفعله الأعاجم بملوكها ، ولست بملك ، إنما أنا رجل منكم . ثم أخذ السراويل ، فذهبت لأحمله ، فقال : صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث