الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الفصل الثالث عشر : في أسمائه : - صلى الله عليه وسلم - ، وما تضمنته من فضيلته

[ حدثنا أبو عمران موسى بن أبي تليد الفقيه ، قال : حدثنا أبو عمر الحافظ ، حدثنا سعيد بن نصر ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا محمد بن وضاح ، حدثنا يحيى ، حدثنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لي خمسة أسماء : أنا محمد ، وأنا أحمد ، وأنا الماحي ، الذي يمحو الله بي الكفر ، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي ، وأنا العاقب .

وقد سماه الله - تعالى - في كتابه محمدا وأحمد .

فمن خصائصه - تعالى - له أن ضمن أسماءه ثناءه ، وطوى أثناء ذكره عظيم شكره .

فأما اسمه أحمد فأفعل مبالغة من صفة الحمد .

ومحمد : مفعل ، مبالغة من كثرة الحمد ، فهو - صلى الله عليه وسلم - أجل من حمد ، وأفضل من حمد ، وأكثر الناس حمدا ، فهو أحمد المحمودين ، وأحمد الحامدين ، ومعه لواء الحمد يوم القيامة ليتم له كمال الحمد ، ويتشهر في تلك العرصات بصفة الحمد ، ويبعثه ربه هناك مقاما محمودا كما وعده ، يحمده فيه الأولون ، والآخرون بشفاعته لهم ، ويفتح عليه فيه من المحامد كما قال - صلى الله عليه وسلم - ما لم يعط غيره ، وسمى أمته في كتب أنبيائه بالحمادين ، فحقيق أن يسمى محمدا ، وأحمد .

ثم في هذين الاسمين من عجائب خصائصه ، وبدائع آياته فن آخر ، وهو أن الله جل اسمه حمى أن يسمى بهما أحد قبل زمانه .

أما أحمد الذي أتى في الكتب ، وبشرت به الأنبياء فمنع الله - تعالى - بحكمته أن يسمى به أحد غيره ، ولا يدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك .

وكذلك محمد أيضا لم يسم به أحد من العرب ، ولا غيرهم إلى أن شاع قبيل وجوده - صلى الله عليه وسلم - ، وميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد ، فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك ، رجاء أن يكون أحدهم هو . والله أعلم حيث يجعل رسالته ] ، وهم : محمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسي ، ومحمد بن مسلمة الأنصاري ، ومحمد بن براء البكري ، ومحمد بن سفيان بن مجاشع ، ومحمد بن حمران الجعفي ، ومحمد بن خزاعي السلمي ، لا سابع لهم .

ويقال : أول من سمي [ ص: 261 ] محمدا محمد بن سفيان . واليمن تقول : بل محمد بن اليحمد من الأزد .

ثم حمى الله كل من تسمى به أن يدعي النبوة أو يدعيها أحد له ، أو يظهر عليه سبب يشكك أحدا في أمره حتى تحققت السمتان له - صلى الله عليه وسلم - ، ولم ينازع فيهما .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ففسر في الحديث : ويكون محو الكفر إما من مكة ، وبلاد العرب ، وما زوي له من الأرض ، ووعد أنه يبلغه ملك أمته ، أو يكون المحو عاما ، بمعنى الظهور ، والغلبة ، كما قال - تعالى - : ليظهره على الدين كله [ التوبة : 33 ] .

[ ، وقد ورد تفسيره في الحديث أنه الذي محيت به سيئات من اتبعه ] .

وقوله : وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي أي على زماني ، وعهدي ، أي ليس بعدي نبي ، كما قال : وخاتم النبيين [ الأحزاب : 40 ] .

وسمي عاقبا ، لأنه عقب غيره من الأنبياء .

وفي الصحيح : أنا العاقب الذي ليس بعدي نبي .

وقيل : معنى على قدمي ، أي يحشر الناس بمشاهدتي ، كما قال - تعالى - : لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [ البقرة : 143 ] .

وقيل على قدمي : على سابقتي ، قال الله - تعالى - : أن لهم قدم صدق عند ربهم [ يونس : 2 ] .

وقيل : على قدمي : أي قدامي ، وحولي ، أي يجتمعون إلي يوم القيامة .

وقيل على قدمي : على سنتي .

ومعنى قوله : لي خمسة أسماء : قيل : إنها موجودة في الكتب المتقدمة ، وعند أولي العلم من الأمم السالفة ، والله أعلم .

وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - : لي عشرة أسماء وذكر منها : " طه " ، و " يس " ، حكاه مكي .

وقد قيل في بعض تفسير طه : إنه يا طاهر يا هادي . وفي يس : يا سيد ، حكاه السلمي عن الواسطي ، وجعفر بن محمد .

وذكر غيره : لي عشرة أسماء فذكر الخمسة التي في الحديث الأول ، قال : وأنا رسول الرحمة ، ورسول الراحة ، ورسول الملاحم ، وأنا المقفي ، قفيت النبيين ، وأنا قيم .

والقيم : الجامع الكامل ، كذا وجدته ، ولم أروه .

وأرى أن صوابه قثم بالثاء كما ذكرناه بعد عن الحربي ، وهو أشبه بالتفسير .

وقد وقع أيضا في كتب الأنبياء : قال داود - عليه السلام - : اللهم ابعث لنا محمدا مقيم السنة بعد الفترة ، فقد يكون القيم بمعناه .

وروى النقاش عنه - صلى الله عليه وسلم - : لي في القرآن سبعة أسماء : محمد ، وأحمد ، و " يس " ، و " طه " ، والمدثر ، والمزمل ، وعبد الله .

وفي حديث عن [ ص: 262 ] جبير بن مطعم - رضي الله عنه - : هي ست : محمد ، وأحمد ، وخاتم ، وعاقب ، وحاشر ، وماح .

وفي حديث أبي موسى الأشعري أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يسمي لنا نفسه أسماء ، فيقول : أنا محمد ، وأحمد ، والمقفي ، والحاشر ، ونبي التوبة ، ونبي الملحمة .

ويروى : المرحمة ، والراحة . وكل صحيح إن شاء الله .

ومعنى المقفي معنى العاقب .

وأما نبي الرحمة ، والتوبة ، والمرحمة ، والراحة فقال تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [ الأنبياء : 107 ] ، وكما ، وصفه بأنه يزكيهم ، ويعلمهم الكتاب ، والحكمة . ويهديهم إلى صراط مستقيم . و بالمؤمنين رءوف رحيم .

وقال في صفة أمته : إنها أمة مرحومة .

وقد قال - تعالى - فيهم : وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة [ البلد : 17 ] ، أي يرحم بعضهم بعضا ، فبعثه - صلى الله عليه وسلم - ربه - تعالى - رحمة لأمته ، ورحمة للعالمين ، ورحيما بهم ، ومترحما ، ومستغفرا لهم ، وجعل أمته مرحومة ، ووصفها بالرحمة .

وأمرها - صلى الله عليه وسلم - بالتراحم ، فقال ، وأثنى عليه فقال : إن الله يحب من عباده الرحماء .

وقال : الراحمون يرحمهم الرحمن . ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء .

وأما رواية نبي الملحمة فإشارة إلى ما بعث به من القتال ، والسيف - صلى الله عليه وسلم - ، وهي صحيحة .

وروى حذيفة مثل حديث أبي موسى ، وفيه نبي الرحمة ، ونبي التوبة ، ونبي الملاحم .

وروى الحربي في حديثه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : أتاني ملك فقال لي : أنت قثم أي مجتمع . قال : والقثوم : الجامع للخير ، وهذا اسم هو في أهل بيته - صلى الله عليه وسلم - معلوم .

وقد جاءت من ألقابه - صلى الله عليه وسلم - ، وسماته في القرآن عدة كثيرة سوى ما ذكرناه ، كالنور ، والسراج المنير ، والمنذر والنذير ، والمبشر ، والبشير ، والشاهد ، والشهيد ، والحق المبين ، وخاتم النبيين ، والرءوف الرحيم ، والأمين ، وقدم الصدق ، ورحمة للعالمين ، ونعمة الله ، والعروة الوثقى ، والصراط المستقيم ، والنجم الثاقب ، والكريم ، والنبي الأمي ، وداعي الله في أوصاف كثيرة ، وسمات جليلة .

وجرى منها في كتب الله المتقدمة ، وكتب أنبيائه ، وأحاديث رسوله ، وإطلاق الأمة جملة شافية ، كتسميته بالمصطفى ، والمجتبى ، وأبي القاسم ، والحبيب ، ورسول رب العالمين ، والشفيع المشفع ، والمتقي ، والمصلح ، والطاهر ، والمهيمن ، والصادق ، والمصدوق ، والهادي ، وسيد ولد آدم ، وسيد المرسلين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين ، وحبيب الله ، وخليل الرحمن وصاحب الحوض المورود ، والشفاعة ، والمقام المحمود ، وصاحب الوسيلة ، والفضيلة ، والدرجة الرفيعة ، وصاحب التاج ، والمعراج ، واللواء ، والقضيب ، وراكب البراق ، والناقة ، والنجيب ، وصاحب الحجة ، والسلطان والخاتم ، والعلامة ، والبرهان وصاحب الهراوة ، والنعلين .

ومن أسمائه في الكتب : المتوكل ، والمختار ، ومقيم السنة ، [ ص: 263 ] والمقدس ، وروح القدس ، وروح الحق ، وهو معنى البارقليط في الإنجيل .

وقال ثعلب : البارقليط : الذي يفرق بين الحق ، والباطل .

ومن أسمائه في الكتب السالفة : ماذ ماذ ، ومعناه طيب ، طيب ، وجماطايا ، والخاتم ، والخاتم ، حكاه كعب الأحبار .

قال ثعلب : فالخاتم الذي ختم [ الله به ] الأنبياء . والخاتم : أحسن الأنبياء خلقا وخلقا .

ويسمى بالسريانية : مشقح ، والمنحمنا ، واسمه في التوراة أحيد روي ذلك عن ابن سيرين .

ومعنى صاحب القضيب : أي السيف ، وقع ذلك مفسرا في الإنجيل ، قال : معه قضيب من حديد يقاتل به ، وأمته كذلك .

وقد يحمل على أنه القضيب الممشوق الذي كان يمسكه - صلى الله عليه وسلم - ، وهو الآن عند الخلفاء .

وأما الهراوة التي وصف بها فهي في اللغة العصا ، وأراها ، والله أعلم العصا المذكورة في حديث الحوض : أذود الناس عنه بعصاي لأهل اليمن .

وأما التاج فالمراد به العمامة ، ولم تكن حينئذ إلا للعرب ، والعمائم تيجان العرب .

وأوصافه ، وألقابه ، وسماته في الكتب كثيرة ، وفيما ذكرناه منها مقنع إن شاء الله .

وكانت كنيته المشهورة أبا القاسم .

وروي عن أنس أنه لما ولد إبراهيم جاءه جبريل فقال له : السلام عليك يا أبا إبراهيم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث