الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الثالثة طائفة أسرهم الحق عنهم فألاح لهم لائحا أذهلهم عن إدراك ما هم فيه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

قال : الطبقة الثالثة : طائفة أسرهم الحق عنهم ، فألاح لهم لائحا أذهلهم عن إدراك ما هم فيه وهيمهم عن شهود ما هم له ، وضن بحالهم عن علمهم ما هم به ، فاستسروا عنهم مع شواهد تشهد لهم بصحة مقامهم ، عن قصد صادق يهيجه غيب وحب صادق يخفى عليه علمه ، ووجد غريب لا ينكشف له موقده ، وهذا من أدق مقامات أهل الولاية .

[ ص: 173 ] أهل هذه الطبقة : أحق باسم السر من الذين قبلهم ، فإنه إذا كانت أحوال القلب ، ومواهب الرب التي وضعها فيه سرا عن صاحبه ، بحيث لا يشعر هو بها ، شغلا عنها بالعزيز الوهاب سبحانه ، فلا يتسع قلبه لاشتغاله به وبغيره ، بل يشتغل بمجريها ومنشئها وواهبها عنها فهذا أقوى وجوه السر ، بل ذلك أخفى من السر ، ومن أعظم الستر والإخفاء أن يستر الله سبحانه وتعالى حال عبده ويخفيه عنه ، رحمة به ولطفا ، لئلا يساكنه وينقطع به عن ربه ، فإن ذلك خلعة من خلع الحق تعالى ، فإذا سترها صاحبها وملبسها عن عبده ، فقد أراد به أن لا يقف مع شيء دونه ، وقد يكون ذلك الستر مما يشتغل به العبد عن مشاهدة جلال الرب تعالى وكماله وجماله ، أعني مشاهدة القلب لمعاني تلك الصفات واستغراقه فيها .

وعلامة هذا الشهود الصحيح : أن يكون باطنه معمورا بالإحسان ، وظاهره مغمورا بالإسلام ، فيكون ظاهره عنوانا لباطنه مصدقا لما اتصف به ، وباطنه مصححا لظاهره ، هذا هو الأكمل عند أصحاب الفناء .

وأكمل منه : أن يشهد ما وهبه الله له ويلاحظه ويراه من محض المنة وعين الجود ، فلا يفنى بالمعطى عن رؤية عطيته ، ولا يشتغل بالعطية عن معطيها ، وقد أمر الله سبحانه بالفرح بفضله ورحمته ، وذلك لا يكون إلا برؤية الفضل والرحمة وملاحظتهما ، وأمر بذكر نعمه وآلائه ، فقال تعالى : ياأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم ، وقال تعالى : فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ، وقال تعالى : واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به .

فلم يأمر الله سبحانه بالفناء عن شهود نعمته ، فضلا عن أن يكون مقام الفناء أرفع من مقام شهودها من فضله ومنته .

وقد أشبعنا القول في هذا فيما تقدم ، ولا تأخذنا فيه لومة لائم ، ولا تأخذ أرباب الفناء في ترجيح الفناء عليه لومة لائم .

فقوله : " أسرهم الحق عنهم " أي : شغلهم به عن ذكر أنفسهم ، فأنساهم بذكره ذكر نفوسهم ، وهذا ضد حال الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ، فإن أولئك لما نسوه أنساهم مصالح أنفسهم التي لا صلاح لهم إلا بها ، فلا يطلبونها ، وأنساهم عيوبهم ، [ ص: 174 ] فلا يصلحونها ، وهؤلاء أنساهم حظوظهم بحقوقه ، وذكر ما سواه بذكره ، والمقصود : أنه سبحانه أخذهم إليه وشغلهم به عنهم .

قوله : وألاح لهم لائحا أذهلهم عن إدراك ما هم فيه .

ألاح ؛ أي : أظهر ، والمعنى : أظهر لهم من معرفة جماله وجلاله لائحا ما لم تتسع قلوبهم بعده لإدراك شيء من أحوالهم ومقاماتهم ، وهذا رقيقة من حال أهل الجنة ، إذا تجلى لهم سبحانه وأراهم نفسه ، فإنهم لا يشعرون في تلك الحال بشيء من النعيم ، ولا يلتفتون إلى سواه ألبتة ، كما صرح به في الحديث الصحيح في قوله : فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه .

والمعنى : أن هذا اللائح الذي ألاحه سبحانه لهم أذهلهم عن الشعور بغيره .

قوله : " هيمهم عن شهود ما هم له " يحتمل أن يكون مراده : أن هذا اللائح هيمهم عن شهود ما خلقوا له ، فلم يبق فيهم اتساع للجمع بين الأمرين ، وهذا وإن كان لقوة الوارد فهو دليل على ضعف المحل ، حيث لم يتسع القلب معه لذكر ما خلق له ، والكمال : أن يجتمع له الأمران .

ويحتمل أن يريد به : أن هذا اللائح غيبهم عن شهود أحوالهم التي هم لها في تلك الحال ، فغابوا بمشهودهم عن شهودهم ، وبمعروفهم عن معرفتهم ، وبمعبودهم عن عبادتهم ، فإن الهائم لا يشعر بما هو فيه ولا بحال نفسه ، وفي الصحاح : الهيام كالجنون من العشق .

قوله : " وضن بحالهم عن علمهم " أي : بخل به ، والمعنى لم يكن علمهم أن يدرك حالهم وما هم عليه ،

قوله : " فاستسروا عنهم " أي : اختفوا حتى عن أنفسهم ، فلم تعلم نفوسهم كيف هم ؟ ولا تبادر بإنكار هذا ، تكن ممن لا يصل إلى العنقود ، فيقول : هو حامض .

قوله : مع شواهد تشهد لهم بصحة مقامهم .

يريد : أنهم لم يعطلوا أحكام العبودية في هذه الحال ، فيكون ذلك شاهدا عليهم بفساد أحوالهم ، بل لهم مع ذلك شواهد صحيحة ، تشهد لهم بصحة مقاماتهم ، وتلك الشواهد : هي القيام بالأمر وآداب الشريعة ظاهرا وباطنا .

قوله : عن قصد سابق ، يهيجه غيب

[ ص: 175 ] يجوز أن يتعلق هذا الحرف وما بعده بمحذوف ، دل عليه الكلام ؛ أي : حصل لهم ذلك عن قصد صادق ؛ أي : لازم ثابت ، لا يلحقه تلون " يهيجه غيب " أي : أمر غائب عن إدراكهم هيج لهم ذلك القصد الصادق .

قوله : وحب صادق يخفى عليه مبدأ علمه ، أي : هم لا يعرفون مبدأ ما بهم ، ولا يصل علمهم إليه ؛ لأنهم لما لاح لهم ذلك اللائح استغرق قلوبهم ، وشغل عقولهم عن غيره ، فهم مأخوذون عن أنفسهم مقهورون بواردهم .

قوله : ووجد غريب لا ينكشف لصاحبه موقده

أي : لا ينكشف لصاحب هذا الوجد السبب الذي أهاجه له ، وأوقده في قلبه ، فهو لا يعرف السبب الذي أوجد نار وجده .

قوله : " وهذا من أدق مقامات أهل الولاية " جعله دقيقا لكون الحس مقهورا مغلوبا عند صاحبه ، والعلم والمعرفة لا يحكمان عليه ، فضلا عن الحس والعادة .

وحاصل هذا المقام : الاستغراق في الفناء ، وهو الغاية عند الشيخ

والصحيح : أن أهل الطبقة الثانية أعلى من هؤلاء ، وأرفع مقاما ، وهم الكمل ؛ وهم أقوى منهم ، كما كان مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء أرفع من مقام موسى عليه السلام يوم التجلي ، ولم يحصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الفناء ما حصل لموسى صلى الله عليه وسلم ، وكان حب امرأة العزيز ليوسف عليه السلام أعظم من حب النسوة ، ولم يحصل لها من تقطيع الأيدي ونحوه ما حصل لهن ، وكان حب أبي بكر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من حب عمر رضي الله عنه وغيره ، ولم يحصل له عند موته من الاضطراب والغشي والإقعاد ما حصل لغيره .

فأهل البقاء والتمكن : أقوى حالا ، وأرفع مقاما من أهل الفناء ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث