الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل من شهادته سبحانه ما أودعه في قلوب العباد من التصديق الجازم بكلامه ووحيه

فصل

ومن شهادته أيضا : ما أودعه في قلوب عباده : من التصديق الجازم ، واليقين الثابت ، والطمأنينة بكلامه ووحيه ، فإن العادة تحيل حصول ذلك بما هو من أعظم الكذب ، والافتراء على رب العالمين ، والإخبار عنه بخلاف ما هو عليه من أسمائه وصفاته ، بل ذلك يوقع أعظم الريب والشك ، وتدفعه الفطر والعقول السليمة ، كما تدفع الفطر - التي فطر عليها الحيوان - الأغذية الخبيثة الضارة التي لا تغذي ، كالأبوال والأنتان ، فإن الله سبحانه فطر القلوب على قبول الحق والانقياد له ، والطمأنينة به ، والسكون إليه ومحبته ، وفطرها على بغض الكذب والباطل ، والنفور عنه ، والريبة به ، وعدم السكون إليه ، ولو بقيت الفطر على حالها لما آثرت على الحق سواه ، ولما سكنت إلا إليه ، ولا اطمأنت إلا به ، ولا أحبت غيره ، ولهذا ندب الله عز وجل عباده إلى تدبر القرآن ، فإن كل من تدبره أوجب له تدبره علما ضروريا ويقينا جازما : أنه حق وصدق ، بل أحق كل الحق ، وأصدق كل صدق ، وأن الذي جاء به أصدق خلق الله ، وأبرهم ، وأكملهم علما وعملا ، ومعرفة ، كما قال تعالى : أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وقال تعالى : أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها فلو رفعت الأقفال عن القلوب لباشرتها حقائق القرآن ، واستنارت فيها مصابيح الإيمان ، وعلمت علما ضروريا يكون عندها كسائر الأمور الوجدانية - من الفرح ، والألم ، والحب ، والخوف - أنه من عند الله ، تكلم به حقا ، وبلغه رسوله جبريل عنه إلى رسوله محمد ، فهذا الشاهد في القلب من أعظم الشواهد ، وبه احتج هرقل على أبي سفيان حيث قال له : فهل يرتد أحد منهم سخطة [ ص: 438 ] لدينه ، بعد أن يدخل فيه ؟ فقال : لا ، فقال له : وكذلك الإيمان إذا خالطت حلاوته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد ، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله : بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وقوله : وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به وقوله ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق وقوله : أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى وقوله : ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب يعني : أن الآية التي يقترحونها لا توجب هداية ، بل الله هو الذي يهدي ويضل ، ثم نبههم على أعظم آية وأجلها ، وهي : طمأنينة قلوب المؤمنين بذكره الذي أنزله ، فقال : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله أي بكتابه وكلامه : ألا بذكر الله تطمئن القلوب فطمأنينة القلوب الصحيحة ، والفطر السليمة به ، وسكونها إليه من أعظم الآيات ؛ إذ يستحيل في العادة أن تطمئن القلوب وتسكن إلى الكذب والافتراء والباطل .

فإن قيل : فلم لم يذكر الله سبحانه شهادة رسله مع الملائكة ، فيقول : شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة والرسل ، وهم أعظم شهادة من أولي العلم ؟

قيل : في ذلك عدة فوائد .

إحداها : أن أولي العلم أعم من الرسل والأنبياء فيدخلون هم وأتباعهم .

وثانيها : أن في ذكر أولي العلم في هذه الشهادة ، وتعليقها بهم : ما يدل على أنها من موجبات العلم ومقتضياته ، وأن من كان من أولي العلم فإنه يشهد بهذه الشهادة ، كما يقال : إذا طلع الهلال واتضح ، فإن كل من كان من أهل النظر يراه ، وإذا فاحت رائحة ظاهرة ، فكل من كان من أهل الشم يشم هذه الرائحة ، قال تعالى : وبرزت الجحيم لمن يرى أي كل من له رؤية يراها حينئذ عيانا ، ففي هذا بيان أن من لم يشهد له الله سبحانه بهذه الشهادة فهو من أعظم الجهال ، وإن علم من [ ص: 439 ] أمور الدنيا ما لم يعلمه غيره ، فهو من أولي الجهل ، لا من أولي العلم ، وقد بينا أنه لم يقم بهذه الشهادة ، ويؤديها على وجهها إلا اتباع الرسل أهل الإثبات ، فهم أولو العلم ، وسائر من عداهم أولو الجهل ، وإن وسعوا القول وأكثروا الجدال .

ومنها : الشهادة من الله سبحانه لأهل هذه الشهادة أنهم أولو العلم ، فشهادته لهم أعدل وأصدق من شهادة الجهمية والمعطلة والفرعونية لهم بأنهم جهال ، وأنهم حشوية ، وأنهم مشبهة ، وأنهم مجسمة ونوابت ونواصب ، فكفاهم أصدق الصادقين لهم بأنهم من أولي العلم إذ شهدوا له بحقيقة ما شهد به لنفسه ، من غير تحريف ولا تعطيل ، وأثبتوا له حقيقة هذه الشهادة ومضمونها ، وخصومهم نفوا عنه حقائقها ، وأثبتوا له ألفاظها ومجازاتها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث