الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

وأصل هذا الفناء الاستغراق في توحيد الربوبية ، وهو رؤية تفرد الله بخلق الأشياء ، وملكها واختراعها ، وأنه ليس في الوجود قط إلا ما شاءه وكونه ، فيشهد ما اشتركت فيه المخلوقات من خلق الله إياها ، ومشيئته لها ، وقدرته عليها ، وشمول قيوميته وربوبيته لها ، ولا يشهد ما افترقت فيه من محبة الله لهذا وبغضه لهذا ، وأمره بما أمر به ، ونهيه عما نهى عنه ، وموالاته لقوم ومعاداته لآخرين .

فلا يشهد التفرقة في الجمع ، وهي تفرقة الخلق والأمر في جمع الربوبية ، تفرقة موجب الإلهية في جمع الربوبية ، تفرقة الإرادة الدينية في جمع الإرادة الكونية ، تفرقة ما يحبه ويرضاه في جمع ما قدره وقضاه ، لا يشهد الكثرة في الوجود ، وهي كثرة معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى ، واقتضاؤها لآثارها في وحدة الذات الموصوفة بها .

فلا يشهد كثرة دلالات أسماء الرب تعالى وصفاته على وحدة ذاته .

فهو الله الذي لا إله إلا هو ، الرحمن الرحيم ، الملك القدوس ، السلام المؤمن ، المهيمن العزيز ، الجبار المتكبر ، وكل اسم له صفة ، وللصفة حكم ، فهو سبحانه واحد الذات ، كثير الأسماء والصفات ، فهذه كثرة في وحدة .

والفرق بين مأموره ومنهيه ، ومحبوبه ومبغوضه ، ووليه وعدوه ، تفرقة في جمع ، فمن [ ص: 179 ] لم يتسع شهوده لهذه الأمور الأربعة فليس من خاصة أولياء الله العارفين ، بل إن انصرف شهوده عنها مع اعترافه بها فهو مؤمن ناقص ، وإن جحدها - أو شيئا منها - فكفر صريح أو بتأويل ، مثل أن يجحد تفرقة الأمر والنهي ، أو جمع القضاء والقدر ، أو كثرة معاني الأسماء والصفات ووحدة الذات .

فليتدبر اللبيب السالك هذا الموضع حق التدبر ، وليعرف قدره ، فإنه مجامع طرق العالمين ، وأصل تفرقتهم ، قد ضبطت لك معاقده ، وأحكمت لك قواعده وبالله التوفيق .

وإنما يعرف قدر هذا من اجتاز القفار ، واقتحم البحار ، وعرض له ما يعرض لسالك القفر ، وراكب البحر ، ومن لم يسافر ولم يخرج عن وطن طبعه ومرباه ، وما ألف عليه أصحابه وأهل زمانه ، فهو بمعزل عن هذا ، فإن عرف قدره ، وكفى الناس شره ، فهذا يرجى له السلامة ، وإن عدا طوره ، وأنكر ما لم يعرفه ، وكذب بما لم يحط به علما ، ثم تجاوز إلى تكفير من خالفه ولم يقلد شيوخه ، ويرضى بما رضي هو به لنفسه ، فذلك الظالم الجاهل ، الذي ما ضر إلا نفسه ، ولا أضاع إلا حظه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث