الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ولا ينعقد النكاح بلفظ الإجارة عند عامة مشايخنا .

والأصل عندهم : أن النكاح لا ينعقد إلا بلفظ موضوع لتمليك العين ، هكذا روى ابن رستم عن محمد أنه قال : كل لفظ يكون في اللغة تمليكا للرقبة فهو في الحرة نكاح .

وحكي عن الكرخي أنه ينعقد بلفظ الإجارة لقوله تعالى { فآتوهن أجورهن } الله تعالى المهر أجرا ، ولا أجر إلا بالإجارة ، فلو لم تكن الإجارة نكاحا لم يكن المهر أجرا .

( وجه ) قول العامة : أن الإجارة عقد مؤقت بدليل أن التأبيد يبطلها ، والنكاح عقد مؤبد بدليل أن التوقيت يبطله .

وانعقاد العقد بلفظ يتضمن المنع من الانعقاد ممتنع ، ولأن الإجارة تمليك المنفعة ، ومنافع البضع في حكم الأجزاء .

والأعيان فكيف يثبت ملك العين بتمليك المنفعة .

ولا ينعقد بلفظ الإعارة ; لأن الإعارة إن كانت إباحة المنفعة فالنكاح لا ينعقد بلفظ الإباحة ، لانعدام معنى التمليك أصلا .

وإن كانت تمليك المتعة فالنكاح لا ينعقد إلا بلفظ موضوع لتمليك الرقبة ، ولم يوجد .

واختلف المشايخ في لفظ القرض قال بعضهم : لا ينعقد ; لأنه في معنى الإعارة .

وقال بعضهم : ينعقد ; لأنه يثبت به الملك في العين ; لأن المستقرض يصير ملكا للمستقرض .

وكذا اختلفوا في لفظ السلم قال بعضهم : لا ينعقد لأن السلم في الحيوان لا يصح .

وقال بعضهم : ينعقد ; لأنه يثبت به ملك الرقبة ، والسلم في الحيوان ينعقد عندنا ، حتى لو اتصل به القبض يعد الملك ملكا فاسدا ، لكن ليس كل ما يفسد البيع يفسد النكاح .

واختلفوا أيضا في لفظ الصرف قال بعضهم : لا ينعقد به ; لأنه وضع لإثبات الملك في [ ص: 231 ] الدراهم والدنانير التي لا تتعين بالتعيين ، والمعقود عليه ههنا يتعين بالتعيين .

وقال بعضهم : ينعقد لأنه يثبت به ملك العين في الجملة .

وأما لفظ الوصية فلا ينعقد به عند عامة مشايخنا ; لأن الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت ، والنكاح المضاف إلى زمان في المستقبل لا يصح .

وحكي عن الطحاوي أنه ينعقد ; لأنه يثبت به ملك الرقبة في الجملة .

وحكى أبو عبد الله البصري عن الكرخي إن قيد الوصية بالحال بأن قال : أوصيت لك بابنتي هذه الآن ينعقد ; لأنه إذا قيده بالحال صار مجازا عن التمليك ، ولا ينعقد بلفظ الإحلال والإباحة ; لأنه لا يدل على الملك أصلا ألا ترى أن المباح له الطعام يتناوله على حكم ملك المبيح ، حتى كان له حق الحجر والمنع .

ولا ينعقد بلفظ المتعة ; لأنه لم يوضع للتمليك ; ولأن المتعة عقد مفسوخ لما نبين إن شاء الله في موضعه ولو أضاف الهبة إلى الأمة ; بأن قال رجل : وهبت أمتي هذه منك فإن كان الحال يدل على النكاح من إحضار الشهود ، وتسمية المهر ، مؤجلا ومعجلا ، ونحو ذلك ، ينصرف إلى النكاح .

وإن لم يكن الحال دليلا على النكاح ، فإن نوى النكاح فصدقه الموهوب له فكذلك وينصرف إلى النكاح بقرينة النية .

وإن لم ينو ينصرف إلى ملك الرقبة - والله عز وجل أعلم - ثم النكاح كما ينعقد بهذه الألفاظ بطريق الأصالة ينعقد بها بطريق النيابة ، بالوكالة ، والرسالة ; لأن تصرف الوكيل كتصرف الموكل ، وكلام الرسول كلام المرسل ، والأصل في جواز الوكالة في باب النكاح ما روي أن النجاشي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة رضي الله عنها فلا يخلو ذلك إما أن فعله بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أو لا بأمره ، فإن فعله بأمره فهو وكيله ، وإن فعله بغير أمره فقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم عقده والإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة ، وكما ينعقد النكاح بالعبارة ينعقد بالإشارة من الأخرس إذا كانت إشارته معلومة وينعقد بالكتابة ; لأن الكتاب من الغائب خطابه - والله تعالى أعلم - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث