الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان شرائط الجواز والنفاذ

جزء التالي صفحة
السابق

ومنها الولاية في النكاح فلا ينعقد إنكاح من لا ولاية له ، والكلام في هذا الشرط يقع في مواضع في بيان أنواع الولاية ، وفي بيانه سبب ثبوت كل نوع ، وفي بيان شرط ثبوت كل نوع وما يتصل به أما الأول : فالولاية في باب النكاح أنواع أربعة : ولاية الملك ، وولاية القرابة ، وولاية الولاء ، وولاية الإمامة ، أما .

ولاية الملك : فسبب ثبوتها الملك ; لأن ولاية الإنكاح ولاية نظر ، والملك داع إلى الشفقة والنظر في حق المملوك ; فكان سببا لثبوت الولاية ، ولا ولاية للمملوك لعدم الملك له ; إذ هو مملوك في نفسه فلا يكون مالكا .

وأما شرائط ثبوت هذه الولاية فمنها : عقل المالك ، ومنها بلوغه ، فلا يجوز الإنكاح من المجنون والصبي الذي لا يعقل ولا من الصبي العاقل ; لأن هؤلاء ليسوا من أهل الولاية ; لأن أهلية الولاية بالقدرة على تحصيل النظر في حق المولى عليه ، وذلك بكمال الرأي والعقل ولم يوجد ألا ترى أنه لا ولاية لهم على أنفسهم فكيف يكون على غيرهم ؟ ; ومنها الملك المطلق ، وهو أن يكون المولى عليه مملوكا للمالك رقبة ويدا ، وعلى هذا يخرج إنكاح الرجل أمته ، أو مدبرته ، أو أم ولده ، أو عبده ، أو مدبره أنه جائز سواء رضي به المملوك أو لا ، ولا يجوز إنكاح المكاتب والمكاتبة إلا برضاهما أما إنكاح الأمة والمدبرة وأم الولد فلا خلاف في جوازه ، صغيرة كانت أو كبيرة .

وأما إنكاح العبد فإن كان صغيرا يجوز ، وإن كان كبيرا فقد ذكر في ظاهر الرواية أنه يجوز من غير رضاه وروي عن أبي حنيفة أنه لا يجوز إلا برضاه .

وبه أخذ الشافعي .

( وجه ) هذه الرواية أن منافع بضع العبد لم تدخل تحت ملك المولى بل هو أجنبي عنها ، والإنسان لا يملك التصرف في ملك غيره من غير رضاه ، ولهذا لا يملك إنكاح المكاتب والمكاتبة ، بخلاف الأمة ; لأن منافع بضعها مملوكة للمولى ولأن نكاح المكره لا ينفذ ما وضع له من المقاصد المطلوبة منه ; لأن حصولها بالدوام على النكاح ، والقرار عليه .

ونكاح المكره لا يدوم بل يزيله العبد بالطلاق فلا يفيد فائدة .

( وجه ) ظاهر الرواية قوله تعالى { وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم } أمر الله سبحانه وتعالى الموالي بإنكاح العبيد والإماء مطلقا عن شرط الرضا ، فمن شرطه يحتاج إلى الدليل ; ولأن إنكاح المملوك من المولى تصرف لنفسه ; لأن مقاصد النكاح ترجع إليه ; فإن الولد في إنكاح الأمة له وكذا في إنكاح أمته من عبده ، ومنفعة العقد عن الزنا الذي يوجب نقصان مالية مملوكه حصل له أيضا ، فكان هذا الإنكاح تصرفا لنفسه .

ومن تصرف في ملك نفسه لنفسه ينفذ ، [ ص: 238 ] ولا يشترط فيه رضا المتصرف فيه ، كما في البيع والإجارة وسائر التصرفات ; ولأن العبد ملكه بجميع أجزائه مطلقا لما ذكرنا من الدلائل فيما تقدم ولكل مالك ولاية التصرف في ملكه إذا كان التصرف مصلحة ، وإنكاح العبد مصلحة في حقه ; لما فيه من صيانة ملكه عن النقصان بواسطة الصيانة عن الزنا .

وقوله : " منافع البضع غير مملوكة لسيده " ممنوع بل هي مملوكة إلا أن مولاها إذا كانت أمة منعت من استيفائها ، لما فيه من الفساد وهذا لا يمنع ثبوت الملك كالجارية المجوسية والأخت من الرضاعة أنه يمنع المولى من الاستمتاع بهما مع قيام الملك كذا هذا .

والملك المطلق لم يوجد في المكاتب ; لزوال ملك اليد بالكتابة حتى كان أحق بالكتابة ، ولهذا لم يدخل تحت مطلق اسم المملوك في قوله : " كل مملوك لي فهو حر " إلا بالنية فقيام ملك الرقبة إن اقتضى ثبوت الولاية فانعدام ملك اليد يمنع من الثبوت ، فلا تثبت الولاية بالشك ; ولأن في التزويج من غير رضا المكاتب ضررا ; لأن المولى بعقد الكتابة جعله أحق بمكاسبه ليتوصل بها إلى شرف الحرية فالتزويج من غير رضاه يوجب تعلق المهر والنفقة بكسبه ، فلا يصل إلى الحرية فيتضرر به ، بشرط رضاه دفعا للضرر عنه .

وقوله : " لا فائدة في هذا النكاح " ممنوع ; فإن في طبع كل فحل التوقان إلى النساء ، فالظاهر هو قضاء الشهوة خصوصا عند عدم المانع - وهو الحرمة - وكذا الظاهر من حال العبد الامتناع من بعض تصرف المولى احتراما له فيبقى النكاح فيفيد فائدة تامة - والله الموفق - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث