الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان ما يتأكد به المهر

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

( وأما ) بيان ما يتأكد به المهر فالمهر يتأكد بأحد معان ثلاثة .

الدخول والخلوة الصحيحة وموت أحد الزوجين ، سواء كان مسمى أو مهر المثل حتى لا يسقط شيء منه بعد ذلك إلا بالإبراء من صاحب الحق ، أما التأكد بالدخول فمتفق عليه ، والوجه فيه أن المهر قد وجب بالعقد وصار دينا في ذمته ، والدخول لا يسقطه ; لأنه استيفاء المعقود عليه ، واستيفاء المعقود عليه ، يقرر البدل لا أن يسقطه كما في الإجارة ; ولأن المهر يتأكد بتسليم المبدل من غير استيفائه لما نذكر فلأن يتأكد بالتسليم مع الاستيفاء أولى .

( وأما ) التأكد بالخلوة فمذهبنا .

وقال الشافعي : لا يتأكد المهر بالخلوة حتى لو خلا بها خلوة صحيحة ثم طلقها قبل الدخول بها في نكاح فيه تسمية يجب عليه كمال المسمى عندنا .

وعنده نصف المسمى وإن لم يكن في النكاح تسمية يجب عليه كمال مهر المثل عندنا ، وعنده يجب عليه المتعة ، وعلى هذا الاختلاف وجوب العدة بعد الخلوة قبل الدخول عندنا تجب ، وعنده لا تجب واحتج بقوله تعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } أوجب الله تعالى نصف المفروض في الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية ; لأن المراد من المس هو الجماع ولم يفصل بين حال وجود الخلوة ، وعدمها فمن أوجب كل المفروض فقد خالف النص ، وقوله تعالى : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن } أي : ولم تفرضوا لهن فريضة فمتعوهن أوجب تعالى لهن المتعة في الطلاق في نكاح لا تسمية فيه مطلقا من غير فصل بين حال وجود الخلوة وعدمها ، وقوله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن } فدلت الآية الشريفة على نفي وجوب العدة ووجوب المتعة قبل الدخول من غير فصل ; ولأن تأكد المهر يتوقف على استيفاء المستحق بالعقد وهو منافع البضع واستيفاؤها بالوطء ولم يوجد ، ولا ضرورة لها في التوقف ; لأن الزوج لا يخلو إما أن يستوفي أو يطلق ، فإن استوفى تأكد حقها .

وإن طلق يفوت عليها نصف المهر لكن بعوض هو خير لها ; لأن المعقود عليه يعود عليها سليما مع سلامة نصف المهر لها بخلاف الإجارة أنه تتأكد الأجرة فيها بنفس التخلية ولا يتوقف التأكد على استيفاء المنافع ; لأن في التوقف هناك ضررا بالآجر ; لأن الإجارة مدة معلومة فمن الجائز أن يمنع المستأجر من استيفاء المنافع مدة الإجارة بعد التخلية فلو توقف تأكد الأجرة على حقيقة الاستيفاء ، وربما لا يستوفي لفائت المنافع عليه مجانا [ ص: 292 ] بلا عوض فيتضرر به الآجر فأقيم التمكن من الانتفاع مقام استيفاء المنفعة دفعا للضرر عن الآجر ، وههنا لا ضرر في التوقف على ما بينا فتوقف التأكد على حقيقة الاستيفاء ولم يوجد فلا يتأكد ، ولنا قوله عز وجل : { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض } .

نهى سبحانه وتعالى الزوج عن أخذ شيء مما ساق إليها من المهر عند الطلاق ، وأبان عن معنى النهي لوجود الخلوة كذا قال القراء : إن الإفضاء هو الخلوة دخل بها أو لم يدخل ، ومأخذ اللفظ دليل على أن المراد منه الخلوة الصحيحة ; لأن الإفضاء مأخوذ من الفضاء من الأرض وهو الموضع الذي لا نبات فيه ولا بناء فيه ولا حاجز يمنع عن إدراك ما فيه فكان المراد منه الخلوة على هذا الوجه ، وهي التي لا حائل فيها ولا مانع من الاستمتاع عملا بمقتضى اللفظ ، فظاهر النص يقتضي أن لا يسقط شيء منه بالطلاق إلا أن سقوط النصف بالطلاق قبل الدخول وقبل الخلوة في نكاح فيه تسمية وإقامة المتعة مقام نصف مهر المثل في نكاح لا تسمية فيه ثبت بدليل آخر فبقي حال ما بعد الخلوة على ظاهر النص .

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من كشف خمار امرأته ونظر إليها وجب الصداق دخل بها أو لم يدخل } وهذا نص في الباب .

وروي عن زرارة بن أبي أوفى أنه قال : قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أرخى الستور وأغلق الباب فلها الصداق كاملا وعليها العدة دخل بها أو لم يدخل بها ، وحكى الطحاوي في هذه المسألة إجماع الصحابة من الخلفاء الراشدين وغيرهم ; ولأن المهر قد وجب بنفس العقد إما في نكاح فيه تسمية فلا شك فيه ، وإما في نكاح لا تسمية فيه فلما ذكرنا في مسألة المفوضة إلا أن الوجوب بنفس العقد ثبت موسعا ويتضيق عند المطالبة ، والدين المضيق واجب القضاء .

قال النبي : صلى الله عليه وسلم : { الدين مضيق } ، ولأن المهر متى صار ملكا لها بنفس العقد ، فالملك الثابت لإنسان لا يجوز أن يزول إلا بإزالة المالك أو بعجزه عن الانتفاع بالمملوك حقيقة إما لمعنى يرجع إلى المالك أو لمعنى يرجع إلى المحل ولم يوجد شيء من ذلك فلا يزول إلا عند الطلاق قبل الدخول وقبل الخلوة سقط النصف بإسقاط الشرع غير معقول المعنى إلا بالطلاق ; لأن الطلاق فعل الزوج ، والمهر ملكها ، والإنسان لا يملك إسقاط حق الغير عن نفسه ; ولأنها سلمت المبدل إلى زوجها فيجب على زوجها تسليم البدل إليها كما في البيع والإجارة ، والدليل على أنها سلمت المبدل أن المبدل هو ما يستوفى بالوطء وهو المنافع إلا أن المنافع قبل الاستيفاء معدومة ، فلا يتصور تسليمها لكن لها محل موجود وهو العين وأنها متصور التسليم حقيقة فيقام تسليم العين مقام تسليم المنفعة كما في الإجارة وقد وجد تسليم المحل ; لأن التسليم هو جعل الشيء سالما للمسلم إليه ، وذلك برفع الموانع وقد وجد ; لأن الكلام في الخلوة الصحيحة وهي عبارة عن التمكن من الانتفاع ولا يتحقق التمكن إلا بعد ارتفاع الموانع كلها فثبت أنه وجد منها تسليم المبدل ، فيجب على الزوج تسليم البدل ; لأن هذا عقد معاوضة وأنه يقتضي تسليما بإزاء التسليم كما يقتضي ملكا بإزاء ملك تحقيقا بحكم المعاوضة .

كما في البيع والإجارة وأما الآية فقال بعض أهل التأويل : إن المراد من المسيس هو الخلوة فلا تكون حجة على أن فيها إيجاب نصف المفروض لا إسقاط النصف الباقي ألا ترى أن من كان في يده عبد فقال : نصف هذا العبد لفلان لا يكون ذلك نفيا للنصف الباقي ، فكان حكم النصف الباقي مسكوتا عنه فبقيت على قيام الدليل ، وقد قام الدليل على البقاء وهو ما ذكرنا فيبقى .

وأما قوله : التأكد إنما يثبت باستيفاء المستحق فممنوع بل كما يثبت باستيفاء المستحق يثبت بتسليم المستحق كما في الإجارة ، وتسليمه بتسليم محله وقد حصل ذلك بالخلوة الصحيحة على ما بينا ثم تفسير الخلوة الصحيحة هو أن لا يكون هناك مانع من الوطء لا حقيقي ولا شرعي ولا طبعي .

أما المانع الحقيقي فهو أن يكون أحدهما مريضا مرضا يمنع الجماع أو صغيرا لا يجامع مثله أو صغيرة لا يجامع مثلها أو كانت المرأة رتقاء أو قرناء ; لأن الرتق والقرن يمنعان من الوطء وتصح خلوة الزوج ، إن كان الزوج عنينا أو خصيا ; لأن العنة والخصاء لا يمنعان من الوطء فكانت خلوتهما كخلوة غيرهما ، وتصح خلوة المجبوب في قول أبي حنيفة .

وقال أبو يوسف ومحمد : لا تصح ( وجه ) قولهما أن الجب يمنع من الوطء فيمنع صحة الخلوة كالقرن والرتق ولأبي حنيفة أنه [ ص: 293 ] يتصور منه السحق والإيلاد بهذا الطريق ألا ترى لو جاءت امرأته بولد يثبت النسب منه بالإجماع ، واستحقت كمال المهر إن طلقها ، وإن لم يوجد منه الوطء المطلق فيتصور في حقه ارتفاع المانع من وطء مثله فتصح خلوته وعليها العدة أما عنده فلا يشكل ; لأن الخلوة إذا صحت أقيمت مقام الوطء في حق تأكد المهر ففي حق العدة أولى ; لأنه يحتاط في إيجابها .

وأما عندهما فقد ذكر الكرخي أن عليها العدة عندهما أيضا ، وقال أبو يوسف : إن كان المجبوب ينزل فعليها العدة ; لأن المجبوب قد يقذف بالماء فيصل إلى الرحم ويثبت نسب ولده فتجب العدة احتياطا ، فإن جاءت بولد ما بينها وبين سنتين لزمه ووجب لها جميع الصداق ; لأن الحكم بثبات النسب يكون حكما بالدخول فيتأكد المهر على قولهما أيضا ، وإن كان لا ينزل فلا عدة عليها فإن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر ثبت نسبه وإلا فلا يثبت كالمطلقة قبل الدخول وكالمعتدة إذا أقرت بانقضاء العدة ، وأما المانع الشرعي فهو أن يكون أحدهما صائما صوم رمضان أو محرما بحجة فريضة أو نفل أو بعمرة أو تكون المرأة حائضا أو نفساء ; لأن كل ذلك محرم للوطء فكان مانعا من الوطء شرعا ، والحيض والنفاس يمنعان منه طبعا أيضا ; لأنهما أذى ، والطبع السليم ينفر عن استعمال الأذى .

وأما في غير صوم رمضان فقد روى بشر عن أبي يوسف أن صوم التطوع وقضاء رمضان والكفارات والنذور لا يمنع صحة الخلوة .

وذكر الحاكم الجليل في مختصره أن نفل الصوم كفرضه فصار في المسألة روايتان ( وجه ) رواية المختصر أن صوم التطوع يحرم الفطر من غير عذر فصار كحج التطوع ، وذا يمنع صحة الخلوة كذا هذا .

( وجه ) رواية بشر أن صوم غير رمضان مضمون بالقضاء لا غير فلم يكن قويا في معنى المنع بخلاف صوم رمضان فإنه يجب فيه القضاء والكفارة وكذا حج التطوع فقوي المانع ( ووجه ) آخر من الفرق بين صوم التطوع وبين صوم رمضان أن تحريم الفطر في صوم التطوع من غير عذر غير مقطوع به لكونه محل الاجتهاد .

وكذا لزوم القضاء بالإفطار فلم يكن مانعا بيقين ، وحرمة الإفطار في صوم رمضان من غير عذر مقطوع بها .

وكذا لزوم القضاء فكان مانعا بيقين .

( وأما ) المانع الطبعي فهو أن يكون معهما ثالث ; لأن الإنسان يكره أن يجامع امرأته بحضرة ثالث ويستحي فينقبض عن الوطء بمشهد منه ، وسواء كان الثالث بصيرا أو أعمى يقظانا أو نائما بالغا أو صبيا بعد أن كان عاقلا رجلا أو امرأة أجنبية أو منكوحته ; لأن الأعمى إن كان لا يبصر فيحس والنائم يحتمل أن يستيقظ ساعة فساعة ، فينقبض الإنسان عن الوطء مع حضوره ، والصبي العاقل بمنزلة الرجل يحتشم الإنسان منه كما يحتشم من الرجل ، وإذا لم يكن عاقلا فهو ملحق بالبهائم لا يمتنع الإنسان عن الوطء لمكانه ولا يلتفت إليه ، والإنسان يحتشم من المرأة الأجنبية ويستحي .

وكذا لا يحل لها النظر إليهما فينقبضان لمكانها ، وإذا كان هناك منكوحة له أخرى أو تزوج امرأتين فخلا بهما فلا يحل لها النظر إليهما فينقبض عنها ، وقد قالوا : إنه لا يحل لرجل أن يجامع امرأته بمشهد امرأة أخرى ، ولو كان الثالث جارية له ، فقد روي أن محمدا كان يقول : أولا تصح خلوته ثم رجع وقال : لا تصح ( وجه ) قوله الأول : أن الأمة ليست لها حرمة الحرة فلا يحتشم المولى منها ; ولذا يجوز لها النظر إليه فلا تمنعه عن الوطء .

( وجه ) قوله الأخير : أن الأمة إن كان يجوز لها النظر إليه لا يجوز لها النظر إليها ، فتنقبض المرأة لذلك وكذا قالوا : لا يحل له الوطء بمشهد منها كما لا يحل بمشهد امرأته الأخرى .

ولا خلوة في المسجد والطريق والصحراء وعلى سطح لا حجاب عليه ; لأن المسجد يجمع الناس للصلاة ولا يؤمن من الدخول عليه ساعة فساعة وكذا الوطء في المسجد حرام قال الله عز وجل { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } والطريق ممر الناس لا تخلو عنهم عادة ، وذلك يوجب الانقباض فيمنع الوطء .

وكذا الصحراء والسطح من غير حجاب ; لأن الإنسان ينقبض عن الوطء في مثله ; لاحتمال أن يحصل هناك ثالث أو ينظر إليه أحد معلوم ذلك بالعادة .

ولو خلا بها في حجلة أو قبة فأرخى الستر عليه فهو خلوة صحيحة ; لأن ذلك في معنى البيت .

ولا خلوة في النكاح الفاسد لأن الوطء فيه حرام فكان المانع الشرعي قائما ، ولأن الخلوة مما يتأكد به المهر ، وتأكده بعد وجوبه يكون ولا يجب بالنكاح الفاسد شيء فلا يتصور التأكد ، والله عز وجل أعلم ثم في كل موضع صحت الخلوة وتأكد المهر وجبت العدة [ ص: 294 ] لأن الخلوة الصحيحة لما أوجبت كمال المهر فلأن توجب العدة أولى ; لأن المهر خالص حق العبد ، وفي العدة حق الله تعالى فيحتاط فيها وفي كل موضع فسدت فيه الخلوة لا يجب كمال المهر ، وهل تجب العدة ؟ ينظر في ذلك إن كان الفساد لمانع حقيقي لا تجب ; لأنه لا يتصور الوطء مع وجود المانع الحقيقي منه ، وإن كان المانع شرعيا أو طبعيا تجب ; لأن الوطء مع وجود هذا النوع من المانع ممكن فيتهمان في الوطء فتجب العدة عند الطلاق احتياطا والله عز وجل الموفق .

وأما التأكد بموت أحد الزوجين فنقول : لا خلاف في أن أحد الزوجين إذا مات حتف أنفه قبل الدخول في نكاح فيه تسمية أنه يتأكد المسمى ، سواء كانت المرأة حرة أو أمة ; لأن المهر كان واجبا بالعقد ، والعقد لم ينفسخ بالموت بل انتهى نهايته لأنه عقد للعمر فتنتهي نهايته عند انتهاء العمر ، وإذا انتهى يتأكد فيما مضى ، ويتقرر بمنزلة الصوم يتقرر بمجيء الليل فيتقرر الواجب ، ولأن كل المهر لما وجب بنفس العقد صار دينا عليه ، والموت لم يعرف مسقطا للدين في أصول الشرع فلا يسقط شيء منه بالموت كسائر الديون .

وكذا إذا قتل أحدهما ، سواء كان قتله أجنبي أو قتل أحدهما صاحبه أو قتل الزوج نفسه .

فأما إذا قتلت المرأة نفسها ، فإن كانت حرة لا يسقط عن الزوج شيء من المهر بل يتأكد المهر عندنا ، وعند زفر والشافعي يسقط المهر .

( وجه ) قولهما أنها بالقتل فوتت على الزوج حقه في المبدل فيسقط حقها في البدل كما إذا ارتدت قبل الدخول أو قبلت ابن زوجها أو أباه .

( ولنا ) أن القتل إنما يصير تفويتا للحق عند زهوق الروح ; لأنه إنما يصير قتلا في حق المحل عند ذلك ، والمهر في تلك الحالة ملك الورثة فلا يحتمل السقوط بفعلها كما إذا قتلها زوجها أو أجنبي بخلاف الردة والتقبيل ; لأن المهر وقت التقبيل والردة كان ملكها فاحتمل السقوط بفعلها كما إذا قتلها زوجها أو قتل المولى أمته سقط مهرها في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد : لا يسقط بل يتأكد .

( وجه ) قولهما أن الموت مؤكد للمهر وقد وجد الموت ; لأن المقتول ميت بأجله فيتأكد بالموت كما إذا قتلها أجنبي أو قتلها زوجها وكالحرة إذا قتلت نفسها ; ولأن الموت إنما أكد المهر ; لأنه ينتهي به النكاح ، والشيء إذا انتهى نهايته يتقرر ، وهذا المعنى موجود في القتل لأنه ينتهي به النكاح فيتقرر به المبدل ، وتقرر المبدل يوجب تقرر البدل ولأبي حنيفة أن من له البدل فوت المبدل على صاحبه ، وتفويت المبدل على صاحبه يوجب سقوط البدل كالبائع إذا أتلف المبيع قبل القبض أنه يسقط الثمن لما قلنا كذا هذا ، ولا شك أنه وجد تفويت المبدل ممن يستحق البدل ; لأن المستحق للمبدل هو المولى وقد أخرج المبدل عن كونه مملوكا للزوج ، والدليل على أن هذا يوجب سقوط البدل أن الزوج لا يرضى بملك البدل عليه بعد فوات المبدل عن ملكه فكان إيفاء البدل عليه بعد زوال المبدل عن ملكه إضرارا به ، والأصل في الضرر أن لا يكون فكان إقدام المولى على تفويت المبدل عن ملك الزوج ، والحالة هذه إسقاطا للبدل دلالة فصار كما لو أسقطه نصا بالإبراء بخلاف الحرة إذا قتلت نفسها ; لأنها وقت فوات المبدل لم تكن مستحقة للبدل لانتقاله إلى الورثة على ما بينا ، والإنسان لا يملك إسقاط حق غيره ، وههنا بخلافه ; ولأن المهر وقت فوات المبدل على الزوج ملك المولى وحقه .

والإنسان يملك التصرف في ملك نفسه استيفاء وإسقاطا فكان محتملا للسقوط بتفويت المبدل دلالة كما كان محتملا للسقوط بالإسقاط نصا بالإبراء ، وهو الجواب عما إذا قتلها زوجها أو أجنبي ; لأنه لا حق للأجنبي ولا للزوج في مهرها فلا يحتمل السقوط بإسقاطهما ، ولهذا لا يحتمل السقوط بإسقاطهما نصا فكيف يحتمل السقوط من طريق الدلالة ؟ .

والدليل على التفرقة بين هذه الفصول أن قتل الحرة نفسها لا يتعلق به حكم من أحكام الدنيا فصار كموتها حتف أنفها حتى قال أبو حنيفة ومحمد : إنها تغسل ويصلى عليها كما لو ماتت حتف أنفها ، وقتل المولى أمته يتعلق به وجوب الكفارة ، وقتل الأجنبي إياها يتعلق به وجوب القصاص إن كان عمدا ، والدية والكفارة إن كان خطأ فلم يكن قتلها بمنزلة الموت هذا إذا قتلها المولى فأما إذا قتلت نفسها فعن أبي حنيفة فيه روايتان روى أبو يوسف عنه أنه لا مهر لها ، وروى محمد عنه أن لها المهر وهو قولهما : ( وجه ) الرواية الأولى أن قتلها نفسها بمنزلة قتل المولى إياها بدليل أن جنايتها كجنايته في باب الضمان ; لأنها مضمونة بمال المولى ولو قتلها المولى يسقط المهر [ ص: 295 ] عنده فكذا إذا قتلت نفسها .

( وجه ) الرواية الأخرى أن البدل حق المولى وملكه فتفويت المبدل منها لا يوجب بطلان حق المولى بخلاف جناية المولى ، والدليل على التفرقة بين الجنايتين أن جنايتها على نفسها هدر بدليل أنه لا يتعلق بها حكم من أحكام الدنيا فالتحقت بالعدم وصارت كأنها ماتت حتف أنفها بخلاف جناية المولى عليها ، فإنها مضمونة بالكفارة ، وهي من أحكام الدنيا فكانت جنايته عليها معتبرة فلا تجعل بمنزلة الموت والله عز وجل الموفق .

وإذا تأكد المهر بأحد المعاني التي ذكرناها لا يسقط بعد ذلك ، وإن كانت الفرقة من قبلها ; لأن البدل بعد تأكده لا يحتمل السقوط إلا بالإبراء كالثمن إذا تأكد بقبض المبيع .

وأما إذا مات أحد الزوجين في نكاح لا تسمية فيه فإنه يتأكد مهر المثل عند أصحابنا وهو مذهب عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما وعن علي رضي الله عنه أن لها المتعة وبه أخذ الشافعي إلا أنه قال : متعتها ما استحقت من الميراث لا غير ، احتج من قال بوجوب المتعة بقوله تعالى : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن } وقوله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات } إلى قوله عز وجل : { فمتعوهن } أمر سبحانه وتعالى بالمتعة من غير فصل بين حال الموت وغيرها ، والنص وإن ورد في الطلاق لكنه يكون واردا في الموت ألا ترى أن النص ورد في صريح الطلاق ثم ثبت حكمه في الكتابات من الإبانة والتسريح والتحريم ونحو ذلك كذا ههنا .

( ولنا ) ما روينا عن معقل بن سنان { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق - وقد مات عنها زوجها قبل أن يدخل بها - بمهر المثل } ; ولأن المعنى الذي له وجب كل المسمى بعد موت أحد الزوجين في نكاح فيه تسمية موجود في نكاح لا تسمية فيه ، وهو ما ذكرنا فيما تقدم ولا حجة له في الآية ; لأن فيها إيجاب المتعة في الطلاق لا في الموت فمن ادعى إلحاق الموت بالطلاق فلا بد له من دليل آخر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث