الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان ما يسقط به نصف المهر

جزء التالي صفحة
السابق

( وأما ) النوع الثاني ، وهو ما يسقط به نصف المهر معنى ، والكل صورة : فهو كل طلاق تجب فيه المتعة .

فيقع الكلام في مواضع في بيان الطلاق الذي تجب فيه المتعة ، والذي تستحب فيه ، وفي تفسير المتعة ، وفي بيان من تعتبر المتعة بحاله .

أما الأول ، فالطلاق الذي تجب فيه المتعة نوعان : أحدهما أن يكون قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه ، ولا فرض بعده أو كانت التسمية فيه فاسدة ، وهذا قول عامة العلماء .

وقال مالك : لا تجب المتعة ، ولكن تستحب ، فمالك لا يرى وجوب المتعة أصلا ، واحتج بأن الله سبحانه وتعالى قيد المتعة بالمتقي ، والمحسن بقوله { حقا على المحسنين } { حقا على المتقين } ، والواجب لا يختلف فيه المحسن ، والمتقي ، وغيرهما ، فدل أنها ليست بواجبة .

( ولنا ) قوله تعالى { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن } ، ومطلق الأمر لوجوب العمل ، والمراد من قوله عز وجل أو تفرضوا أي : ولم تفرضوا ألا ترى أنه عطف عليه قوله تعالى { ، وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } ، ولو كان الأول بمعنى ما لم تمسوهن ، وقد فرضوا لهن أو لم يفرضوا لما عطف عليه المفروض ، وقد تكون أو بمعنى الواو .

وقال : الله عز وجل { ولا تطع منهم آثما أو كفورا } : ولا كفورا وقوله تعالى { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } ( وعلى ) كلمة إيجاب ، وقوله تعالى { حقا على المحسنين } وليس في ألفاظ الإيجاب كلمة أوكد من قولنا حق عليه ; لأن الحقية تقتضي الثبوت ، وعلى كلمة إلزام ، وإثبات ، فالجمع بينهما يقتضي التأكيد ، وما ذكره مالك كما يلزمنا [ ص: 303 ] يلزمه ; لأن المندوب إليه أيضا لا يختلف فيه المتقي ، والمحسن ، وغيرهما ، ثم نقول : الإيجاب على المحسن ، والمتقي لا ينفي الإيجاب على غيرهما ألا ترى أنه سبحانه وتعالى أخبر أن القرآن هدى للمتقين ، ثم لم ينف أن يكون هدى للناس كلهم كذا هذا ، والدليل على أن المتعة ههنا واجبة أنها بدل الواجب ، وهو نصف مهر المثل ، وبدل الواجب واجب ; لأنه يقوم مقام الواجب ، ويحكي حكايته ألا ترى أن التيمم لما كان بدلا عن الوضوء ، والوضوء واجب كان التيمم واجبا ، والدليل على أن المتعة تجب بدلا عن نصف المهر ، أن بدل الشيء ما يجب بسبب الأصل عند عدمه كالتيمم مع الوضوء ، وغير ذلك ، والمتعة بالسبب الذي يجب به مهر المثل ، وهو النكاح لا الطلاق ; لأن الطلاق مسقط للحقوق لا موجب لها لكن عند الطلاق يسقط نصف مهر المثل ، فتجب المتعة بدلا عن نصفه ، وهذا طريق محمد ، فإن الرهن بمهر المثل يكون رهنا بالمتعة عنده حتى إذا هلك تهلك المتعة .

وأما أبو يوسف : فإنه لا يجعله رهنا بها حتى إذا هلك الرهن يهلك بغير شيء ، والمتعة باقية عليه ، فلا يكون وجوبها بطريق البدل عنده بل يوجبها ابتداء بظواهر النصوص التي ذكرنا أو يوجبها بدلا عن البضع بالاستدلال بنصف المسمى في نكاح فيه تسمية ، والثاني أن يكون قبل الدخول في نكاح لم يسم فيه المهر ، وإنما فرض بعده ، وهذا قول أبي حنيفة ، ومحمد ، وهو قول أبي يوسف الأخير ، وكان يقول : أولا يجب نصف المفروض كما إذا كان المهر مفروضا في العقد ، وهو قول مالك ، والشافعي ، واحتجوا بقوله عز وجل { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } أوجب تعالى نصف المفروض في الطلاق قبل الدخول مطلقا من غير فصل بين ما إذا كان الفرض في العقد أو بعده ; ولأن الفرض بعد العقد كالفرض في العقد .

ثم المفروض في العقد يتنصف ، فكذا المفروض بعده ، ولهما قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن } أوجب المتعة في المطلقات قبل الدخول عاما ، ثم خصت منه المطلقة قبل الدخول في نكاح فيه تسمية عند وجوده ، فبقيت المطلقة قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه عند وجوده على أصل العموم ، وقوله تعالى { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن } أي : ولم تفرضوا لهن فريضة لما ذكرنا فيما تقدم ، وهو منصرف إلى الفرض في العقد ; لأن الخطاب ينصرف إلى المتعارف ، والمتعارف هو الفرض في العقد لا متأخرا عنه ، وبه تبين أن الفرض المذكور في قوله تعالى { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة } منصرف إلى المفروض في العقد ; لأنه هو المتعارف ، وبه نقول إن المفروض في العقد يتنصف بالطلاق قبل الدخول ; ولأن مهر المثل قد وجب بنفس العقد لما ذكرنا فيما تقدم ، فكان الفرض بعده تقديرا لما وجب بالعقد ، وهو مهر المثل ، ومهر المثل يسقط بالطلاق قبل الدخول ، وتجب المتعة ، فكذا ما هو بيان وتقدير له إذ هو تقدير لذلك الواجب .

وكذا الفرقة بالإيلاء ، واللعان ، والجب ، والعنة ، فكل فرقة جاءت من قبل الزوج قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه ، فتوجب المتعة ; لأنها توجب نصف المسمى في نكاح فيه تسمية ، والمتعة عوض عنه كردة الزوج ، وإباية الإسلام ، وكل فرقة جاءت من قبل المرأة ، فلا متعة لها ; لأنه لا يجب بها المهر أصلا ، فلا تجب بها المتعة .

والمخيرة إذا اختارت نفسها قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه ، فلها المتعة ; لأن الفرقة جاءت من قبل الزوج ; لأن البينونة مضافة إلى الإبانة السابقة ، وهي فعل الزوج .

( وأما ) الذي تستحب فيه المتعة ، فهو الطلاق بعد الدخول ، والطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية ، وهذا عندنا .

وقال : الشافعي المتعة في الطلاق بعد الدخول واجبة ، واحتج بقوله تعالى { ، وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين } جعل سبحانه وتعالى للمطلقات متاعا فاللام الملك عاما إلا أنه خصصت منه المطلقة قبل الدخول في نكاح فيه تسمية ، فبقيت المطلقة قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه ، والمطلقة بعد الدخول على ظاهر العموم ، ولنا ما ذكرنا أن المتعة وجبت بالنكاح بدلا عن البضع إما بدلا عن نصف المهر أو ابتداء ، فإذا استحقت المسمى أو مهر المثل بعد الدخول ، فلو وجبت المتعة ; لأدى إلى أن يكون لملك واحد بدلان وإلى الجمع بين البدل ، والأصل في حالة واحدة ، وهذا ممتنع ; ولأن المطلقة قبل الدخول في نكاح فيه تسمية لا تجب لها المتعة بالإجماع ، فالمطلقة بعد الدخول أولى ; لأن الأولى تستحق بعض المهر [ ص: 304 ] والثانية تستحق الكل فاستحقاق بعض المهر لما منع عن استحقاق المتعة فاستحقاق الكل أولى .

وأما الآية الكريمة ، فيحمل ذكر المتاع فيها على الندب ، والاستحباب ، ونحن به نقول إنه يندب الزوج إلى ذلك كما يندب إلى أداء المهر على الكمال في غير المدخول بها أو يحمل على النفقة والكسوة في حال قيام العدة ; ولأن كل ذلك متاع إذ المتاع اسم لما ينتفع به عملا بالدلائل كلها بقدر الإمكان ، وكل فرقة جاءت من قبل الزوج بعد الدخول تستحب فيها المتعة إلا أن يرتد أو يأبى الإسلام ; لأن الاستحباب طلب الفضيلة ، والكافر ليس من أهل الفضيلة .

( وأما ) تفسير المتعة الواجبة ، فقد قال أصحابنا : إنها ثلاثة أثواب درع ، وخمار ، وملحفة وهكذا روي عن الحسن ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، والشعبي ، وعن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : أرفع المتعة الخادم ، ثم دون ذلك الكسوة ، ثم دون ذلك النفقة .

وقال الشافعي : ثلاثون درهما له ما روي عن أبي مجلز أنه قال : قلت لابن عمر رضي الله عنهما أخبرني عن المتعة ، وأخبرني عن قدرها ، فإني موسر ، فقال : اكس كذا اكس كذا اكس كذا قال : فحسبت ذلك ، فوجدته قدر ثلاثين درهما ، فدل أنها مقدرة بثلاثين درهما .

( ولنا ) قوله تعالى في آية المتعة { متاعا بالمعروف حقا على المحسنين } ، والمتاع اسم للعروض في العرف ; ولأن لإيجاب الأثواب نظيرا في أصول الشرع ، وهو الكسوة التي تجب لها حال قيام النكاح والعدة ، وأدنى ما تكتسي به المرأة ، وتستتر به عند الخروج ثلاثة أثواب ، ولا نظير لإيجاب الثلاثين ، فكان إيجاب ما له نظير أولى ، وقول عبد الله بن عمر دليلنا ; لأنه أمره بالكسوة لا بدراهم مقدرة إلا أنه اتفق أن قيمة الكسوة بلغت ثلاثين درهما ، وهذا لا يدل على أن التقدير فيها بالثلاثين .

ولو أعطاها قيمة الأثواب دراهم ، أو دنانير تجبر على القبول ; لأن الأثواب ما وجبت لعينها بل من حيث إنها مال ، كالشاة في خمس من الإبل في باب الزكاة .

وأما بيان من تعتبر المتعة بحاله ، فقد اختلف العلماء فيه قال بعضهم .

: قدر المتعة يعتبر بحال الرجل في يساره ، وإعساره ، وهو قول أبي يوسف بعضهم : تعتبر بحال المرأة في يسارها ، وإعسارها ، وقال بعضهم : تعتبر بحالهما جميعا وقال بعضهم : المتعة الواجبة تعتبر بحالها ، والمستحبة تعتبر بحاله .

( وجه ) قول من اعتبر حال الرجل قوله تعالى { ، ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } جعل المتعة على قدر حال الرجل في يساره ، وإعساره ( وجه ) قول من قال : باعتبار حالها أن المتعة بدل بضعها ، فيعتبر حالها ، وهذا أيضا وجه من يقول المتعة الواجبة تعتبر بحالها ، وقوله المتعة المستحبة تعتبر بحاله لا معنى له ; لأن التقدير في الواجب لا في المستحب ( وجه ) من اعتبر حالهما أن الله تعالى اعتبر في المتعة شيئين أحدهما : حال الرجل في يساره ، وإعساره بقوله عز وجل { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } .

والثاني : أن يكون مع ذلك بالمعروف بقوله { متاعا بالمعروف } فلو اعتبرنا فيها حال الرجل دون حالها عسى أن لا يكون بالمعروف ; لأنه يقتضي أنه لو تزوج رجل امرأتين إحداهما شريفة ، والأخرى مولاة دنيئة ، ثم طلقهما قبل الدخول بهما ، ولم يسم لهما أن يستويا في المتعة باعتبار حال الرجل ، وهذا منكر في عادات الناس لا معروف ، فيكون خلاف النص ، ثم المتعة الواجبة لا تزاد على نصف مهر المثل بل هو نهاية المتعة لا مزيد عليه ; لأن الحق عند التسمية آكد ، وأثبت منه عند عدم التسمية ; لأن الله تعالى أوجب المتعة على قدر احتمال ملك الزوج بقوله عز وجل { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } ، فأوجب نصف المسمى مطلقا احتمله وسع الزوج ، وملكه أو لا .

وكذا في وجوب كمال مهر المثل ، وسقوطه ، ووجوب المتعة في نكاح لا تسمية فيه ، وعدم أحد الزوجين اختلاف بين العلماء ولا خلاف في وجوب كمال المسمى من ذلك في نكاح فيه تسمية دل أن الحق أوكد ، وأثبت عند التسمية ، ثم لا يزاد هناك على نصف المسمى ، فلأن لا يزاد ههنا على نصف مهر المثل أولى ; ولأن المتعة بدل عن نصف مهر المثل ، ولا يزاد البدل على الأصل ، ولا ينقص من خمسة دراهم ; لأنها تجب على طريق العوض ، وأقل عوض يثبت في النكاح نصف العشرة ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث