الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان ما يرفع حكم النكاح

جزء التالي صفحة
السابق

ومنها الملك الطارئ لأحد الزوجين على صاحبه بأن ملك أحدهما صاحبه بعد النكاح أو ملك شقصا منه ; لأن الملك المقارن يمنع من انعقاد النكاح ، فالطارئ عليه يبطله ، والفرقة الواقعة به فرقة بغير طلاق ; لأنها فرقة حصلت بسبب لا من قبل الزوج ، فلا يمكن أن تجعل طلاقا ، فتجعل فسخا ، ولا يحتاج إلى تفريق القاضي ; لأنها فرقة حصلت بطريق التنافي لما بينا في المسائل المتقدمة أن الحقوق الثابتة بالنكاح لا يصح إثباتها بين المالك والمملوك ، فلا تفتقر إلى القضاء كالفرقة الحاصلة بردة أحد الزوجين ، وعلى هذا قالوا في القن ، والمدبر والمأذون إذا اشتريا زوجتيهما لم يبطل النكاح ; لأن الشراء لا يفيد لهما ملك المتعة ، فلا يوجب بطلان النكاح .

وقالوا أيضا في المكاتب إذا اشترى زوجته لا يبطل نكاحها ; لأنه لا يملكها ، وإنما يثبت له فيها حق الملك ، وحق الملك يمنع ابتداء [ ص: 340 ] النكاح ، ولا يمنع البقاء كالعدة وهذا ; لأن حق الملك هو الملك من .

وجه ، فكان ملكه فيها ثابتا من وجه دون وجه ، فالنكاح إذا لم يكن منعقدا يقع الشك في انعقاده ، فلا ينعقد بالشك ، وإذا كان منعقدا يقع الشك في زواله ، فلا يزول بالشك على الأصل المعهود أن غير الثابت بيقين لا يثبت بالشك ، والثابت بيقين لا يزول بالشك لهذا المعنى منعت العدة من ابتداء النكاح ، ولم تمنع البقاء كذا هذا ، وقالوا فيمن زوج ابنته من مكاتبه ، ثم مات لا يبطل النكاح بينهما حتى يعجز عن أداء بدل الكتابة .

وقال الشافعي : ينفسخ النكاح بناء على أن المكاتب لا يورث عندنا ، فلا يثبت الملك للوارث في المكاتب حقيقة ، وإنما يثبت له حق الملك ، وأنه لا يمنع بقاء النكاح ، وعنده يورث ، فيثبت الملك لها في زوجها ، فيبطل النكاح ( وجه ) قوله أن الوارث يقوم مقام المورث في أملاكه ، فيثبت له ما كان ثابتا للمورث ، وملكه في المكاتب كان ثابتا له ، فينتقل إلى الوارث ، فيصير مملوكا له ، فينفسخ النكاح .

( ولنا ) أن الحاجة مست إلى إبقاء ملك الميت في المكاتب ; لأن عقد الكتابة أوجب له حق الحرية للحال على وجه يصير ذلك الحق حقيقة عند الأداء ، ولهذا يثبت الولاء من قبله ، فلو نقلنا الملك من الميت إلى الوارث لتعذر إثبات حقيقة الحرية عند الأداء لانعدام تعليق الحرية منه بالأداء ، فمست الحاجة إلى استيفاء ملك الميت فيه لأجل الحق المستحق للمكاتب ، فيمنع ثبوت الملك حقيقة للوارث ، ويثبت له حق الملك لوجود سبب الثبوت ، وهو القرابة ، وشرطه ، وهو الموت ، وحق الملك يمنع ابتداء النكاح ، ولا يمنع البقاء لما ذكرنا إلا إذا عجز عن أداء بدل الكتابة ; لأنه إذا عجز ثبت الملك حقيقة للوارث ، فيرتفع النكاح ، وأما معتق البعض إذا اشترى زوجته لا يبطل النكاح في قول أبي حنيفة ، وعندهما يبطل بناء على أن معتق البعض بمنزلة المكاتب عنده ، وعندهما حر عليه دين ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث