الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان ما يملك به المشفوع فيه

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما بيان ما يملك به المشفوع فيه فنقول - وبالله التوفيق - : المشفوع فيه يملك بالتملك وهو تفسير الأخذ بالشفعة فلا ملك للشفيع قبل الأخذ بل له حق الأخذ والتملك قبل الأخذ للمشتري ; لوجود سبب الملك فيه وهو الشراء ، فله أن يبني ويغرس ويهدم ويقلع ويؤاجر ويطيب له الأجر ويأكل من ثمار الكرم ونحو ذلك ، وكذا له أن يبيع ويهب ويوصي ، وإذا فعل ينفذ إلا أن للشفيع أن ينقض ذلك بالأخذ بالشفعة ; لأن حقه سابق على تصرف المشتري فيمتنع اللزوم ، ولو جعل المشتري الدار مسجدا أو مقبرة فللشفيع أن يأخذها بالشفعة وينقض ما صنع المشتري ، كذا ذكر في الأصل ، وقال الحسن بن زياد : بطلت شفعته .

( وجه ) قوله أن المشتري تصرف في ملك نفسه فينفذ كما لو باع إلا أن البيع ونحوه مما يحتمل النقض بعد وجوده فنفذ ولم يلزم ، وهذه التصرفات مما لا يحتمل الانتقاض كالإعتاق فكان نفاذها لزومها ، ولنا أن تعلق حق الشفيع بالمبيع يمنع من صيرورته مسجدا ; لأن المسجد ما يكون خالصا لله تعالى ، وتعلق حق العبد به يمنع خلوصه لله عز وجل فيمنع صيرورته مسجدا ، وله أن يأخذ الدار المشتراة بالشفعة لوجود السبب وهو جوار الملك أو الشركة في ملك المبيع وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى دارا ولها شفيع فبيعت دار إلى جنب هذه الدار فطالب المشتري بالشفعة وقضي له بها ثم حضر الشفيع يقضى له بالدار التي بجواره ويمضي القضاء في الثانية للمشتري ، أما للشفيع فظاهر وأما للمشتري ; فلأن الجوار كان ثابتا له وقت البيع والقضاء بالشفعة إلا أنه بطل بعد ذلك بأخذ الشفيع للدار بالشفعة وهذا لا يوجب بطلان القضاء ; لأنه تبين أن جوار الملك لم يكن ثابتا كمن اشترى دارا ولها شفيع فقضي له بالشفعة ثم باع داره التي بها يشفع أنه لا يبطل القضاء بالشفعة لما قلنا ، كذا هذا .

ولو كان الشفيع جارا للدارين فالمسألة بحالها فيقضى له بكل الدار الأولى وبالنصف من الثانية ; لأنه جار خاص للدار الأولى فيختص بشفعتها ، وهو مع المشتري جاران للدار الثانية فيشتركان في شفعتها ، وشراء المشتري لا يبطل حقه في الشفعة ولأنه لا ينافيه بل يقرره على ما بينا فيما تقدم .

وروي عن أبي يوسف رحمه الله فيمن اشترى نصف دار ثم اشترى رجل آخر نصفها الآخر فخاصمه المشتري الأول فيقضى له بالشفعة بالشركة ، ثم خاصمه الجار في الشفعتين جميعا أن الجار أحق بشفعة النصف الأول ولا حق له في النصف الثاني لأنه جار للنصف الأول فيأخذه بالجوار والمشتري شريك عند بيع النصف الثاني لثبوت الملك له في النصف الأول بسبب الشراء ، وثبوت الحق للشفيع في النصف الأول لا يمنع ثبوت الملك للمشتري فيه فكان شريكا عند بيع النصف الثاني ، والشريك مقدم على الجار .

وكذلك لو اشترى نصفها ثم اشترى نصفها الآخر رجل آخر فلم يخاصمه فيه حتى أخذ الجار النصف الأول فالجار أحق بالنصف الثاني ; لأن الملك - وإن ثبت للمشتري الأول في النصف الأول لكنه قد بطل بأخذ الجار بالشفعة فبطل حقه في الشفعة .

ولو ورث رجل دارا فبيعت دار الأول بجنبها فأخذها بالشفعة ثم بيعت دار إلى جنب الثانية فأخذها بالشفعة ثم استحقت الدار الموروثة وطلب المستحق الشفعة فإن المستحق يأخذ الدار الثانية ، والوارث أحق بالثالثة ; لأن بالاستحقاق تبين أن الدار التي يشفع بها الوارث كانت ملك المستحق فتبين أنه أخذ الثانية بغير حق إذ تبين أنه لم يكن جارا فكانت الشفعة في الثانية للمستحق ، والوارث [ ص: 23 ] يكون أحق بالثالثة ; لأن الملك كان ثابتا للوارث عند بيع الثالثة فكان السبب - وهو جوار الملك - ثابتا له عنده ثم بطل الاستحقاق ، وبطلان الملك لا يوجب بطلان الشفعة .

وليس للشفيع أن ينقض قسمة المشتري حتى لو اشترى نصف دار من رجل مشاعا وقاسم المشتري البائع ثم حضر الشفيع فالقسمة ماضية ليس للشفيع أن ينقضها ليأخذ نصفها مشاعا سواء كانت قسمته بقضاء أو بغير قضاء ; لأن القسمة من تمام القبض ولهذا لم تصح هبة المشاع فيما يحتمل القسمة ; لأن القبض شرط صحة الهبة ، والقبض على التمام لا يتحقق مع الشياع .

وإذا كانت القسمة من تمام القبض فالشفيع لا يملك نقض القبض بأن اشترى دارا وقبضها ثم حضر الشفيع وأراد أن ينقض قبضه ليأخذها من البائع لم يملك ذلك ، وإذا لم يملك نقض القبض لا يملك نقض ما به تمام القبض وهو القسمة ، بخلاف ما إذا كانت الدار مشتركة بين اثنين باع أحدهما نصيبه من رجل فقاسم المشتري الشريك الذي لم يبع ثم حضر الشفيع له أن ينقض القسمة ; لأن القسمة هناك ليست من جملة القبض ; لأنها من حكم البيع الأول ; إذ البيع الأول كما أوجب الملك أوجب القسمة في المشاع ، والبيع الأول لم يقع مع هذا المشتري الذي قاسم فلم تكن هذه القسمة بحكم العقد بل بحكم الملك ، والتصرف بحكم الملك يملك الشفيع نقضه كالبيع والهبة ، وللشفيع أن يأخذ النصف الذي أصاب المشتري بالشفعة سواء وقع نصيب المشتري من جانب الشفيع أو من جانب آخر ; لأن الشفعة وجبت له في النصف المشترى ، والنصف الذي أصاب المشتري هو المشترى ; لأن القسمة إفراز .

ولو وقع نصيب البائع من جانب الشفيع فباعه بعد القسمة قبل طلب الشفيع الشفعة الأولى ثم طلب الشفيع فإن قضى القاضي بالشفعة الأخيرة - جعل نصف البائع بين الشفيع وبين المشتري وقضى بالشفعة الأولى - وهي نصف المشتري - للشفيع ; لأن الشفيع مع المشتري جاران لنصف البائع ، والشفيع جار خاص لنصف المشتري ، ولو بدأ فقضى للشفيع بالشفعة الأولى قضى له بالأخيرة أيضا ; لأنه لما قضى له بالشفعة الأولى بطل حق جوار المشتري فلم يبق له حق الأخذ بالشفعة ، وللشفيع أن يرد المشفوع فيه بخيار الرؤية والعيب وللمشتري حق الحبس لاستيفاء الثمن ; لأن الملك فيه لما كان يثبت بالتملك ببدل كان الأخذ بالشفعة شراء فيراعى فيه أحكام البيع والشراء ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث