الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شرط جواز كل نوع

جزء التالي صفحة
السابق

( وأما ) الذي يرجع إلى المحل المصروف إليه الطعام فمنها أن يكون فقيرا ، فلا يجوز إطعام الغني عن الكفارة تمليكا وإباحة لأن الله - تبارك وتعالى - أمر بإطعام عشرة مساكين بقوله - سبحانه - : { فكفارته إطعام عشرة مساكين } ، ولو كان له مال وعليه دين له مطالب من جهة العباد يجوز إطعامه لأنه فقير بدليل أنه يجوز إعطاء الزكاة إياه فالكفارة أولى .

ومنها أن يكون ممن يستوفي الطعام ، وهذا في إطعام الإباحة حتى لو غدى عشرة مساكين وعشاهم وفيهم صبي أو فوق ذلك لم يجز وعليه إطعام مسكين واحد لقوله - جل جلاله - : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } وذلك ليس من أوسط ما يطعم ، حتى لو كان مراهقا جاز لأن المراهق يستوفي الطعام فيحصل الإطعام من أوسط ما يطعم ومنها أن لا يكون مملوكه لأن الصرف إليه صرف إلى نفسه فلم يجز ومنها أن لا يكون من الوالدين والمولودين فلا يجوز إطعامهم تمليكا وإباحة لأن المنافع بينهم متصلة فكان الصرف إليهم صرفا إلى نفسه من وجه ، ولهذا لم يجز صرف الزكاة إليهم ، ولا تقبل شهادة البعض للبعض ، ولما ذكرنا أن الواجب بحق التكفير لما اقترف من الذنب بما أعطى نفسه مناها وأوصلها إلى هواها بغير إذن من الآذن وهو الله - سبحانه جلت عظمته - ففرض عليهم الخروج عن المعصية بما تتألم به النفس وينفر عنه الطبع ليذيق نفسه المرارة بمقابلة إعطائها من الشهوة .

وهذا المعنى لا يحصل بإطعام هؤلاء لأن النفس لا تتألم به بل تميل إليه لما جعل الله - سبحانه - الطبائع بحيث لا تحتمل نزول البلاء والشدة بهم ، وبحيث يجتهد كل في دفع الحاجة عنهم مثل الدفع عن نفسه ، ولو أطعم أخاه أو أخته وهو فقير جاز لأن هذا المعنى لا يوجد في الأخ والأخت فدخل تحت عموم قوله تعالى : { فكفارته إطعام عشرة مساكين } ، ولو أطعم ولده أو غنيا على ظن أنه أجنبي أو فقير ثم تبين أجزأه في قول أبي حنيفة ومحمد ، وعند أبي يوسف لا يجوز ، وهو على الاختلاف الذي ذكرنا في الزكاة وقد مر الكلام فيه .

ومنها أن لا يكون هاشميا لأن الله - تبارك وتعالى - كره لهم غسالة أيدي الناس وعوضهم بخمس الخمس من الغنيمة ، ولو دفع إليه على ظن أنه ليس [ ص: 104 ] بهاشمي ثم ظهر أنه هاشمي فهو على الاختلاف .

ومنها أن لا يكون زوجا أو زوجة له لأن ما شرع له الكفارة وهو تألم الطبع ونفاره بالبذل والإخراج لا يوجد بين الزوجين لما يوجد البذل بينهما شهوة وطبيعة ويكون التناكح لمثله في العرف والشرع على ما روي { تنكح المرأة لمالها وجمالها } ، وعلى ما وضع النكاح للمودة والمحبة ولا يتحقق ذلك إلا بالبذل ودفع الشح ، ولهذا لا تقبل شهادة أحدهما للآخر لأن أحدهما ينتفع بمال صاحبه فتتمكن التهمه في الشهادة .

ومنها أن لا يكون حربيا وإن كان مستأمنا لأن الله - تعالى عز شأنه - نهانا عن البر بهم والإحسان إليهم بقوله تعالى : { إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم } ولأن في الدفع إلى الحربي إعانة له على الحراب مع المسلمين وقد قال الله سبحانه وتعالى : { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } ويجوز إعطاء فقراء أهل الذمة من الكفارات والنذور وغير ذلك إلا الزكاة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، وقال أبو يوسف رحمه الله لا يجوز إلا النذور والتطوع ودم المتعة ( وجه ) قوله أن هذه صدقة وجبت بإيجاب الله - عز شأنه - فلا يجوز صرفها إلى الكافر كالزكاة بخلاف النذر لأنه وجب بإيجاب العبد ، والتطوع ليس بواجب أصلا ، والتصدق بلحم المتعة غير واجب لأن معنى القربة في الإراقة .

( ولهما ) عموم قوله تعالى { فكفارته إطعام عشرة مساكين } من غير فصل بين المؤمن والكافر إلا أنه خص منه الحربي بما تلونا فبقي الذمي على عموم النص فكان ينبغي أن يجوز صرف الزكاة إليه إلا أن الزكاة خصت { بقول النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ حين بعثه إلى اليمن خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم } ، أمر عليه الصلاة والسلام برد الزكاة إلى من أمر بالأخذ من أغنيائهم ، والمأخوذ منه المسلمون فكذا المردود عليهم .

وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام قال { أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائهم وأردها في فقرائهم } .

( ووجه ) الاستدلال ما ذكرنا ، ولأن الكفارة وجبت لدفع المسكنة والمسكنة موجودة في الكفرة فيجوز صرف الصدقة إليهم كما يجوز صرفها إلى المسلم بل أولى لأن التصدق عليهم بعض ما يرغبهم إلى الإسلام ويحملهم عليه ، ولما ذكرنا أن الكفارات وجبت بما اختار من إعطاء النفس شهوتها فيما لا يحل له فتكون كفارتها بكف النفس عن شهوتها فيما يحل له وبذل ما كان في طبعه منعه ، وهذا المعنى يحصل بالصرف إلى الكافر بخلاف الزكاة لأنها ما وجبت بحق التكفير بل بحق الشكر ، ألا ترى أنها تجب بلا كسب من جهة العبد ؟ وحق الشكر الإنفاق في طاعة المنعم ، والصرف إلى المؤمن إنفاق على من يصرفه إلى طاعة الله - جل شأنه - فيخرج مخرج المعونة على الطاعة فيحصل معنى الشكر على الكمال والكافر لا يصرفه إلى طاعة الله - عز شأنه - فلا يتحقق معنى الشكر على التمام ، فأما الكفارات فما عرف وجوبها شكرا بل تكفيرا لإعطاء النفس شهوتها بإخراج ما في شهوتها المنع وهذا المعنى في الصرف إلى الكافر موجود على الكمال والتمام لذلك افترقا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث