الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شرائط الصحة في البيوع

جزء التالي صفحة
السابق

فأما إذا قوبل أبدال من جنسين مختلفين بأبدال من جنسين مختلفين فإن كان من غير أموال الربا فلا شك أنه يجوز ، وتقسم الأبدال من أحد الجانبين بالأبدال من الجانب الآخر قسمة توزيع وإشاعة من حيث التقويم ، وإن كان من أموال الربا فيجوز أيضا عند أصحابنا الثلاثة ، ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس فيقسم قسمة تصحيح لا قسمة إشاعة وتوزيع ، وعند زفر والشافعي لا يجوز ، ويقسم قسمة توزيع وإشاعة من حيث القيمة كما في غير أموال الربا ، وبيان ذلك في مسائل : إذا باع كر حنطة وكر شعير بكري حنطة وكري شعير جاز عند علمائنا الثلاثة ، وتصرف الحنطة إلى الشعير ، والشعير إلى الحنطة ، وعندهما لا يجوز وكذلك إذا باع درهما ودينارا بدرهمين ودينارين يصرف الدرهم إلى الدينارين ، والدينار إلى الدرهمين .

( وجه ) قول زفر والشافعي أن هذا بيع ربا فلا يجوز كبيع الدرهم بالدرهمين ، والدينار بالدينارين ، ودلالة الوصف أنه قابل الجملة بالجملة مطلقا ، ومطلق مقابلة الجملة بالجملة يقتضي انقسام كل بدل من أحد الجانبين بجميع الأبدال من الجانب الآخر على سبيل الشيوع من حيث القيمة إذا كانت الأبدال مختلفة القيم ، استدلالا بسائر البياعات في غير أموال الربا ، فإنه إذا باع عبدا وجارية بفرس وثوب وقيمتهما مختلفة يقسم العبد على قيمة الفرس والثوب ، وكذا الجارية ، حتى لو وجد بواحد من الجملة عيبا يرده بحصته من البدلين ، وكذا لو استحق واحد منهما يرده بحصته من البدلين على البائع ، وكذا لو كان أحد البدلين دارا فالشفيع يأخذها بحصتها من البدلين ، فكان التقسيم على الوجه الذي قلنا هو الموجب الأصلي في البياعات كلها ، والانقسام على هذا الوجه في أموال الربا يحقق الربا ; لأنه يصير بائعا كر حنطة وكري شعير بكري شعير وبكر حنطة ، فيتحقق الربا ، على أنه إن لم يتحقق الربا ففيه احتمال الربا ، وأنه مفسد للعقد كبيع الصبرة بالصبرة مجازفة .

( ولنا ) عمومات البيع من غير فصل ، فمن ادعى التخصيص فعليه الدليل ، ولأن المتعاقدين أطلقا مقابلة الجملة بالجملة ، والمطلق يتعرض للذات لا للصفات والجهات فلا يكون مقابلة الجنس بالجنس عينا ، ولا مقابلة الجنس بخلاف الجنس عينا ، فلا يتحقق الربا ; لأنه اسم لفضل مال في مقابلة الجنس بالجنس عينا ، ولم يوجد ، أو نقول : مطلق المقابلة تحتمل مقابلة الجنس بالجنس على سبيل الشيوع من حيث القيمة كما قلتم ، وتحتمل مقابلة الجنس بخلاف الجنس ; لأن كل ذلك مقابلة الجملة بالجملة ، إلا أنا لو حملناه على الأول يفسد العقد ، ولو حملناه على الثاني لصح ، فالحمل على ما فيه الصحة أولى وقوله : موجب البيع المطلق المشتمل على أبدال من الجانبين انقسام كل بدل من أحد الجانبين على جميع الأبدال من الجانب الآخر على الشيوع من حيث التقويم قلنا : ممنوع ; لأن هذا موجب العقد المطلق في موضع في مسائل البياعات في غير أموال الربا ما ثبت الانقسام موجبا له ، بل بحكم المعاوضة والمساواة في الأبدال لأنهما لما أطلقا البيع وهو يشتمل على أبدال من الجانبين من غير تعيين مقابلة البعض بالبعض ، وليس البعض بأولى من البعض في التعيين فلزم القول بالإشاعة والتقسيم من حيث القيمة حكما للمعاوضة والمساواة ، وعند تحقق الضرورة وهي ضرورة الرد بالعيب بالإشاعة ، والرجوع عند الاستحقاق ونحو ذلك ، فلا يثبت الانقسام عند القيمة قبل تحقق الضرورة على [ ص: 192 ] ما عرف .

وقوله : فيه احتمال الربا ، قلنا : احتمال الربا ههنا يوجب فساد العقد عند مقابلة الجنس بالجنس عينا ، كما في بيع الصبرة بالصبرة لا على الإطلاق ; لأن عند مقابلة الجنس بالجنس يلزم رعاية المماثلة المشروطة ، ولم توجد ههنا فلا توجب الفساد وعلى هذا إذا باع دينارا ودرهمين بدرهمين ودينارين أنه يجوز عندنا ، ويكون الدينار بالدرهمين ، والدرهمان بالدينارين وكذا إذا باع درهمين ودينارا بدينارين ودرهم يجوز عندنا بأن يجعل الدرهمان بالدينارين ، والدينار بالدرهم وكذا إذا باع عشرة دراهم بخمسة دراهم ودينار أنه جائز عندنا ، وتكون الخمسة بمقابلة الخمسة ، والخمسة الأخرى بمقابلة الدينار وكذلك إذا باع أحد عشر درهما بعشرة دراهم ودينار جاز عندنا ، وكانت العشرة بمثلها ، ودينار بدرهم وكذلك قال أبو حنيفة : عليه الرحمة إنه إذا باع مائة درهم ودينار بألف درهم يجوز ولا بأس به ، وتكون المائة بمقابلة المائة ، والتسعمائة بمقابلة الدينار ، فلا يتحقق الربا ، وكذا روي عن محمد أنه قال : إذا باع الدراهم بالدراهم ، وفي أحدهما فضل من حيث الوزن ، وفي الجانب الذي لا فضل فيه فلوس فهو جائز في الحكم ، ولكني أكرهه ، فقيل : كيف تجده في قلبك ؟ قال : أجده مثل الجبل والحاصل أنه ينظر إلى ما يقابل الزيادة من حيث الوزن من خلاف الجنس ، إن بلغت قيمته قيمة الزيادة ، أو كانت أقل منها مما يتغابن الناس فيه عادة جاز البيع من غير كراهة ، وإن كانت شيئا قليل القيمة كفلس وجوزة ونحو ذلك يجوز مع الكراهة ، وإن كان شيئا لا قيمة له أصلا ككف من تراب ونحوه لا يجوز البيع أصلا ; لأن الزيادة لا يقابلها عوض فيتحقق الربا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث