الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شرائط جريان الربا في البيع

جزء التالي صفحة
السابق

وهل يجوز استقراض الدراهم المغشوشة عددا ؟ .

( أما ) النوع الأول وهو ما كانت فضته غالبة على غشه فلا يجوز استقراضه إلا وزنا ; لأن الغش إذا كان مغلوبا فيه كان بمنزلة الدراهم الزائفة ، ولا يجوز بيع الدراهم الزائفة بعضها ببعض عددا ; لأنها وزنية فلم يعتبر العدد فيها ، فكان بيع بعضها ببعض مجازفة فلم يجز فلا يجوز استقراضها أيضا ; لأنها مبادلة حقيقة ، أو فيها شبهة المبادلة فيجب صيانتها عن الربا وعن شبهة الربا ، ولهذا لم يجز استقراض الكيلي وزنا لما أن الوزن في الكيلي غير معتبر ، فكان إقراضه مبادلة الشيء بمثله مجازفة ، أو شبهة المبادلة فلم يجز ، كذا هذا وكذلك النوع الثالث وهو ما إذا كان نصفه فضة ونصفه صفرا ; لأن الغلبة إذا كانت الفضة على اعتبار بقائها وذهاب الصفر في المآل - على ما يقوله أهل الصنعة - كان ملحقا بالدراهم الزيوف ، فلا يجوز استقراضه عددا .

وإن كان لا يغلب أحدهما على الآخر ، ويبقيان بعد السبك على حالهما كان كل واحد منهما أصلا بنفسه ، فيعتبر كل واحد منهما على حياله ، فكان استقراض الفضة والصفر جملة عددا وهذا لا يجوز ; لأن اعتبار الصفران كان يوجب الجواز ; لأن الفلس عددي ، فاعتبار الفضة يمنع الجواز ; لأن الفضة وزنية ، فالحكم بالفساد عند تعارض جهتي الجواز ، والفساد أحوط وأما النوع الثاني ما كان الغش فيه غالبا والفضة مغلوبة فإنه ينظر إن كان الناس يتعاملون به وزنا لا عددا لا يجوز استقراضه عددا ; لأن العدد في الموزون باطل فكان استقراضه مبادلة الموزون بجنسه مجازفة ، أو شبهة المبادلة - وإنه لا يجوز .

وإن كانوا يتعاملون به عددا يجوز استقراضه عددا ; لأنهم إذا تعاملوا به عددا فقد ألحقوه بالفلوس ، وجعلوا الفضة التي فيه تبعا للصفر ، وإنه ممكن ; لأنها قليلة ، وقد يكون في الفلوس في الجملة قليل فضة فثبتت التبعية بدلالة التعامل ، ومثل هذه الدلالة لم توجد فيما إذا تعاملوا بها وزنا لا عددا ، فبقيت وزنية ، فلا يجوز استقراضه عددا ، وإن تعامل الناس بها عددا ; لأن هناك لا يمكن جعل الفضة تبعا للغش ; لأنها أكثر منه أو مثله ، والكثير لا يكون تبعا للقليل ، ومثل هذا الشيء لا يكون تبعا أيضا ، فبقيت على الصفة الأصلية الثابتة لها شرعا ، وهي كونها وزنية ، فلا يجوز استقراضها مجازفة ، كما لا يجوز بيع بعضها ببعض مجازفة وكذا الشراء بالدراهم المغشوشة من الأنواع الثلاثة عددا حكمه حكم الاستقراض سواء ، [ ص: 198 ] فلا يجوز الشراء بالنوع الأول إلا وزنا ; لأنها في حكم الجياد ، وأنها وزنية - فلم يجز الشراء بها إلا وزنا إذا لم يكن مشارا إليها .

وكذلك بالنوع الثالث لما ذكرنا في الاستقراض وأما النوع الثالث فالأمر فيه على التفصيل الذي ذكرناه في الاستقراض أن الناس إن كانوا يتبايعون بها وزنا لا عددا لا يجوز لأحد أن يبتاع بها عددا ; لأن الوزن صفة أصلية للدراهم ، وإنما تصير عددية بتعامل الناس ، فإن جرى التعامل بها وزنا لا عددا فقد تقررت الصفة الأصلية وبقيت وزنية ، فإذا اشترى بها عددا على غير وزن - والعدد هدر ولم توجد الإشارة - فقد بقي الثمن مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة ; لأنه لا يدرى ما وزن هذا القدر من العدد المسمى فيوجب فساد العقد ، بخلاف ما إذا اشترى بها عددا على غير وزن ولكن أشار إليها فيما يكتفى فيه بالإشارة حيث يجوز ; لأن مقدار وزنها .

وإن كان مجهولا بعد الإشارة إليها لكن هذه جهالة لا تفضي إلى المنازعة ; لأنه يمكن معرفة مقدار المشار إليه بالوزن إذا كان قائما ، فلا يمنع جواز العقد وإن كانوا يتبايعون بها عددا جاز ; لأنها صارت عددية بتعامل الناس ، وصارت كالفلوس الرائجة ، هذا إذا اشترى بالأنواع الثلاثة عددا على وزن ولم يعينها فأما إذا عينها واشترى بها عرضا بأن قال : اشتريت هذا العرض بهذه الدراهم ، وأشار إليها - فلا شك في جواز الشراء بها ، ولا تتعين بالإشارة إليها ، ولا يتعلق العقد بعينها ، حتى لو هلكت قبل أن ينقدها المشتري لا يبطل البيع ، ويعطى مكانها مثلها من جنسها ونوعها وقدرها وصفتها .

( أما ) النوع الأول فلأنها بمنزلة الدراهم الجياد ، وأنها لا تتعين بالإشارة إليها ، ولا يبطل البيع بهلاكها فكذا هذه .

( وأما ) النوع الثاني فلأن الصفة فيها إن كانت هي الغالبة على ما يقوله السباكون - فهي في حكم النوع الأول .

وإن لم يغلب أحدهما على الآخر يعتبر كل واحد منهما بحياله ، فلا يبطل البيع أيضا ; لأن اعتبار الفضة لا يوجب البطلان ; لأنها لا تتعين ، واعتبار الصفر يوجب ; لأنه يتعين فلا يبطل بالشك .

( وأما ) النوع الثالث فلأن الناس إن كانوا يتعاملون بها وزنا فهي وسائر الدراهم سواء ، فلا تتعين بالإشارة ، ويتعلق العقد بمثلها في الذمة لا بعينها ، فلا يبطل البيع بهلاكها وإن كانوا يتعاملون بها عددا فهي بمنزلة الفلوس الرائجة ، وإنها إذا قوبلت بخلاف جنسها في المعاوضات لا تتعين ولا يتعلق العقد بعينها بل بمثلها عددا ، ولا يبطل بهلاكها ، كذا هذا ولو كسد هذا النوع من الدراهم وصارت لا تروج بين الناس - فهي بمنزلة الفلوس الكاسدة والستوق والرصاص حتى تتعين بالإشارة إليها ، ويتعلق العقد بعينها حتى يبطل العقد بهلاكها قبل القبض ; لأنها صارت سلعة ، لكن قالوا : هذا إذا كان العاقدان عالمين بحال هذه ، ويعلم كل واحد منهما أن الآخر يعلم بذلك .

فأما إذا كانا لا يعلمان ، أو يعلم أحدهما ولم يعلم الآخر ، أو يعلمان لكن لا يعلم كل واحد منهما أن صاحبه يعلم - فإن العقد لا يتعلق بالمشار إليه ولا بجنسها ، وإنما يتعلق بالدراهم الرائجة التي عليها تعامل الناس في تلك البلد هذا إذا صارت بحيث لا تروج أصلا ، فأما إذا كانت يقبلها البعض دون البعض فحكمها حكم الدراهم الزائفة ، فيجوز الشراء بها ، ولا يتعلق العقد بعينها ، بل يتعلق بجنس تلك الدراهم الزيوف إن كان البائع يعلم بحالها خاصة ; لأنه رضي بجنس الزيوف ، وإن كان البائع لا يعلم لا يتعلق العقد بجنس المشار إليه ، وإنما يتعلق بالجيد من نقد تلك البلد ; لأنه لم يرض إلا به إذا كان لا يعلم بحالها والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

ثم إنما لا يبطل البيع بهلاك الدراهم في الأنواع الثلاثة بعد الإشارة إليها إذا كان علم عددها أو وزنها قبل الهلاك ; لأنه إذا كان علم ذلك يمكن إعطاء مثلها بعد هلاكها ، فأما إذا كان لم يعلم لا عددها ولا وزنها حتى هلكت - يبطل البيع ; لأن الثمن صار مجهولا ، إذ المشتري لا يمكنه إعطاء مثل الدراهم المشار إليها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث