الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الشرط الذي يرجع إلى المسلم

جزء التالي صفحة
السابق

( وأما ) الذرعيات كالثياب ، والبسط ، والحصير ، والبواري ونحوها فالقياس أن لا يجوز السلم فيها ; لأنها ليست من ذوات الأمثال لتفاوت فاحش بين ثوب وثوب ، ولهذا لم تضمن بالمثل في ضمان العدديات بل بالقيمة فأشبه السلم في اللآلئ والجواهر ، إلا أنا استحسنا الجواز لقوله عز وجل في آية الدين : { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله } ، والمكيل والموزون لا يقال : فيه الصغير والكبير ، وإنما يقال ذلك في الذرعيات ، والعدديات ، ولأن الناس تعاملوا السلم في الثياب لحاجتهم إلى ذلك فيكون إجماعا منهم على الجواز فيترك القياس بمقابلته ، ولأنه إذا بين جنسه وصفته ونوعه [ ص: 209 ] ورفعته وطوله وعرضه يتقارب التفاوت فيلحق بالمثل في باب السلم شرعا لحاجة الناس ، ولا حاجة إلى الإلحاق بالمثل في باب الاستهلاك مع ما أن هذا الاعتبار غير سديد ; لأنه قد يحتمل في المعاملات من التفاوت اليسير ما لا يحتمل مثله في الإتلافات فإن الأب إذا باع مال ولده بغبن يسير جاز ولا يضمن ، ولو أتلف عليه شيئا يسيرا من ماله يضمن فلا يستقيم الاستبدال .

هذا إذا أسلم في ثوب الكرباس أو الكتان ، فأما إذا أسلم في ثوب الحرير فهل يشترط فيه بيان الوزن بعد بيان الجنس والنوع والصفة والرفعة والطول والعرض ؟ إن كان مما تختلف قيمته باختلاف وزنه من القلة والكثرة بعد التساوي في الجنس والنوع والصفة والرفعة والطول والعرض يشترط ; لأن بعد بيان هذه الأشياء تبقى جهالته مفضية إلى المنازعة ، وإن كان مما لا يختلف يجوز ; لأن جهالة الوزن فيه لا تفضي إلى المنازعة ولا يجوز السلم في العدديات المتفاوتة من الحيوان ، والجواهر ، واللآلئ ، والجوز ، والجلود ، والأدم ، والرءوس ، والأكارع ، والبطيخ ، والقثاء ، والرمان ، والسفرجل ونحوها من العدديات المتفاوتة ; لأنه لا يمكن ضبطها بالوصف إذ يبقى بعد بيان جنسها ونوعها وصفتها وقدرها جهالة فاحشة مفضية إلى المنازعة لتفاوت فاحش بين جوهر وجوهر ، ولؤلؤ ولؤلؤ ، وحيوان وحيوان ، وكذا بين جلد وجلد ، ورأس ورأس في الصغر ، والكبر ، والسمن ، والهزال ، وقال الشافعي رحمه الله : يجوز السلم في الحيوان .

( وجه ) قوله : أن المانع من الجواز هنا جهالة المسلم فيه ، وقد زالت ببيان الجنس ، والنوع ، والصفة ، والسن ; لأن الحيوان معلوم الجنس والنوع والصفة فكان مضبوط الوصف ، والتفاوت فيما وراء ذلك لا يعتبر ، ولهذا وجب دينا في الذمة في النكاح فأشبه الثياب .

( ولنا ) أن بعد بيان هذه الأشياء يبقى بين فرس وفرس تفاوت فاحش في المالية فتبقى جهالة مفضية إلى المنازعة ، وإنها مانعة صحة العقد لما ذكرنا من الوجوه فيما قبل ، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { نهى عن السلف في الحيوان } ، والسلف والسلم واحد في اللغة ، والاعتبار بالنكاح غير سديد ; لأنه يتحمل جهالة لا يتحملها البيع ، ألا ترى أنه يصح من غير ذكر البدل وببدل مجهول ، وهو مهر المثل ولا يصح البيع ، إلا ببدل معلوم فلا يستقيم الاستدلال ولا يجوز السلم في التبن أحمالا أو أوقارا ; لأن التفاوت بين الحمل والحمل ، والوقر والوقر مما يفحش ، إلا إذا أسلم فيه بقبان معلوم من قبابين التجار فلا يختلف فيجوز ، ولا يجوز السلم في الحطب حزما ولا أوقارا للتفاوت الفاحش بين حزمة وحزمة ، ووقر ووقر ، وكذا في القصب ، والحشيش ، والعيدان ، إلا إذا وصفه بوصف يعرف ويتقارب التفاوت فيجوز ، ويجوز السلم في اللبن ، والآجر إذا سمى ملبنا معلوما لا يختلف ولا يتفاوت إلا يسيرا .

وكذا في الطوابيق إذا وصفها بوصف يعرف على وجه لا يبقى بعد الوصف جهالة مفضية إلى المنازعة ; لأن الفساد للجهالة ، فإذا صار معلوما بالوصف جاز ، وكذا في طشت أو قمقمة أو خفين أو نحو ذلك إن كان يعرف يجوز ، وإن كان لا يعرف لا يجوز ; لأن المسلم فيه دين حقيقة ، والدين يعرف بالوصف ، فإن كان مما يحصل تمام معرفته بالوصف بأن لم تبق فيه جهالة مفضية إلى المنازعة جاز السلم فيه ، وإلا فلا ، ولو استصنع رجل شيئا من ذلك بغير أجل جاز استحسانا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث