الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ولو قبض المشتري المبيع بإذن البائع ثم أفلس أو مات قبل نقد الثمن أو بعد ما نقد منه شيئا ، وعليه ديون لأناس شتى هل يكون البائع أحق به من سائر الغرماء ؟ اختلف فيه قال أصحابنا : لا يكون له بل الغرماء كلهم أسوة فيه فيباع ، ويقسم ثمنه بينهم بالحصص ، وقال الشافعي رحمه الله : البائع أحق به ، وإن لم يكن قبضه حتى أفلس أو مات فإن كان الثمن مؤجلا فهو على هذا الاختلاف ، وإن كان حالا فالبائع أحق به بالإجماع احتج الشافعي بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { إذا أفلس المشتري فوجد البائع متاعه عنده فهو أحق به } وهذا نص في الباب ، ولأن العجز عن تسليم المبيع يوجب حق الفسخ للمشتري بالإجماع فإن من باع عبدا فأبق قبل القبض أو غصب أو كانت دابة فضلت للمشتري أن يفسخ البيع ، والعجز عن تسليم الثمن يوجب الفسخ للبائع أيضا ; لأن البيع عقد معاوضة ، ومبنى المعاوضات على المساواة .

( ولنا ) : ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : { من باع بيعا فوجده ، وقد أفلس الرجل فهو ماله بين غرمائه } ، وهذا نص ، وهو عين مذهبنا ، ولأن البائع لم يكن له حق حبس المبيع حال كون المشتري حيا مليا فلا يكون أحق بثمنه بعد موته ، وإفلاسه ; لأن الثمن بدل المبيع قائم مقامه ، واعتبار الثمن بالمبيع غير سديد ; لأن بينهما مفارقة في الأحكام ألا ترى : أن ملك المبيع شرط جواز العقد ، وملك الثمن ليس شرطا ؟ فإنه لو اشترى شيئا بدراهم لا يملكها جاز ، ولو باع شيئا لا يملكه لا يجوز ، وكذا لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل القبض ، والتصرف في الثمن قبل القبض جائز ، وغير ذلك من الأحكام فكان اعتبار الثمن بالمبيع على الإطلاق فاسدا ، والحديث محمول على ما إذا قبض المبيع بغير إذن البائع ، وعندنا : البائع أحق به في هذه الحالة إلا أنه ذكر الإفلاس ، وإن كان حق الاسترداد لا يتقيد به ; لأن المليء يتمكن من دفع الاسترداد بنقد الثمن ، والمفلس لا يتمكن من ذلك فكان ذكر الإفلاس مقيدا فحملناه على ما قلنا توفيقا بين الدلائل ، والله - عز وجل - الموفق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث