الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما ركن الزكاة فركن الزكاة هو إخراج جزء من النصاب إلى الله تعالى ، وتسليم ذلك إليه يقطع المالك يده عنه بتمليكه من الفقير وتسليمه إليه أو إلى يد من هو نائب عنه وهو المصدق والملك للفقير يثبت من الله تعالى وصاحب المال نائب عن الله تعالى في التمليك والتسليم إلى الفقير والدليل على ذلك قوله تعالى : { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات } ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم { الصدقة تقع في يد الرحمن قبل أن تقع في كف الفقير } وقد أمر الله تعالى الملاك بإيتاء الزكاة لقوله عزو جل : { وآتوا الزكاة } والإيتاء هو التمليك ; ولذا سمى الله تعالى الزكاة صدقة بقوله عز وجل { : إنما الصدقات للفقراء } والتصدق تمليك فيصير المالك مخرجا قدر الزكاة إلى الله تعالى بمقتضى التمليك سابقا عليه ; ولأن الزكاة عبادة على أصلنا والعبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى وذلك فيما قلنا : إن عند التسليم إلى الفقير تنقطع نسبة قدر الزكاة عنه بالكلية وتصير خالصة لله تعالى ويكون معنى القربة في الإخراج إلى الله تعالى بإبطال ملكه عنه لا في التمليك من الفقير بل التمليك من الله تعالى في الحقيقة وصاحب المال نائب عن الله تعالى غير أن عند أبي حنيفة الركن هو إخراج جزء من النصاب من حيث المعنى دون الصورة وعندهما صورة ومعنى لكن يجوز إقامة الغير مقامه من حيث المعنى .

ويبطل اعتبار الصورة بإذن صاحب الحق وهو الله تعالى على ما بينا فيما تقدم ، وبينا اختلاف المشايخ في السوائم على قول أبي حنيفة وعلى هذا يخرج صرف الزكاة إلى وجوه البر من بناء المساجد ، والرباطات والسقايات ، وإصلاح القناطر ، وتكفين الموتى ودفنهم أنه لا يجوز ; لأنه لم يوجد التمليك أصلا .

وكذلك إذا اشترى بالزكاة طعاما فأطعم الفقراء غداء وعشاء ولم يدفع عين الطعام إليهم لا يجوز لعدم التمليك .

وكذا لو قضى دين ميت فقير بنية الزكاة ; لأنه لم يوجد التمليك من الفقير لعدم قبضه ، ولو قضى دين حي فقير إن قضى بغير أمره لم يجز ; لأنه لم يوجد التمليك من الفقير لعدم قبضه وإن كان بأمره يجوز عن الزكاة لوجود التمليك من الفقير ; لأنه لما أمره به صار وكيلا عنه في القبض فصار كأن الفقير قبض الصدقة بنفسه وملكه من الغريم .

ولو أعتق عبده بنية الزكاة لا يجوز لانعدام التمليك إذ الإعتاق ليس بتمليك بل هو إسقاط الملك .

وكذا لو اشترى بقدر الزكاة عبدا فأعتقه لا يجوز عن الزكاة عند عامة العلماء وقال مالك : يجوز وبه تأول قوله تعالى { : وفي الرقاب } وهو أن يشتري بالزكاة عبدا فيعتقه ، ولنا أن الواجب هو التمليك ، والإعتاق إزالة الملك فلم يأت بالواجب والمراد من قوله تعالى { : وفي الرقاب } إعانة المكاتبين بالزكاة لما نذكره ولو دفع زكاته إلى الإمام أو إلى عامل الصدقة يجوز ; لأنه نائب عن الفقير في القبض فكان قبضه كقبض الفقير .

وكذا لو دفع زكاة ماله إلى صبي فقير أو مجنون فقير وقبض له وليه أبوه أو جده أو وصيهما جاز ; لأن الولي يملك قبض الصدقة عنه .

وكذا لو قبض عنه بعض أقاربه وليس ثمة أقرب منه وهو في عياله يجوز ، وكذا الأجنبي الذي هو في عياله ; لأنه في معنى الولي في قبض الصدقة لكونه نفعا محضا ألا ترى أنه يملك قبض الهبة له ؟ ، وكذا الملتقط إذا قبض الصدقة عن اللقيط ; لأنه يملك القبض له فقد وجد تمليك الصدقة من الفقير ، وذكر في العيون عن أبي يوسف أن من عال يتيما فجعل يكسوه ويطعمه وينوي به عن زكاة ماله يجوز وقال محمد : ما كان من كسوة يجوز وفي الطعام لا يجوز إلا ما دفع إليه ، وقيل : لا خلاف بينهما في الحقيقة ; لأن مراد أبي يوسف ليس هو الإطعام على طريق الإباحة بل على وجه التمليك ، ثم إن كان اليتيم عاقلا يدفع إليه وإن لم يكن عاقلا يقبض عنه بطريق النيابة ثم يكسوه ويطعمه ; لأن قبض الولي كقبضه لو كان عاقلا ولا يجوز قبض الأجنبي للفقير البالغ العاقل إلا بتوكيله ; لأنه لا ولاية له عليه فلا بد من أمره كما في قبض الهبة .

وعلى هذا أيضا يخرج الدفع إلى عبده ومدبره وأم ولده أنه لا يجوز لعدم التمليك إذ هم لا يملكون شيئا فكان الدفع إليهم دفعا إلى نفسه ، ولا يدفع إلى مكاتبه ; لأنه عبد ما بقي عليه درهم ولأن كسبه متردد [ ص: 40 ] بين أن يكون له أو لمولاه لجواز أن يعجز نفسه ولا يدفع إلى والده وإن علا ولا إلى ولده وإن سفل ; لأنه ينتفع بملكه فكان الدفع إليه دفعا إلى نفسه من وجه فلا يقع تمليكا مطلقا ; لهذا لا تقبل شهادة أحدهما لصاحبه ولا يدفع أحد الزوجين زكاته إلى الآخر وقال أبو يوسف ومحمد تدفع الزوجة زكاتها إلى زوجها احتجا بما روي { أن امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصدقة على زوجها عبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لك أجران أجر الصدقة وأجر الصلة } ولأبي حنيفة أن أحد الزوجين ينتفع بمال صاحبه كما ينتفع بمال نفسه عرفا وعادة فلا يتكامل معنى التمليك ، ولهذا لم يجز للزوج أن يدفع إلى زوجته كذا الزوجة وتخرج هذه المسائل على أصل آخر سنذكره والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث