الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما بيان من تجب عليه فيشتمل على بيان سبب وجوب الفطرة على الإنسان عن غيره ، وبيان شرط الوجوب أما شرطه فهو أن يكون من عليه الواجب عن غيره من أهل الوجوب على نفسه .

وأما السبب فرأس يلزمه مؤنته ويلي عليه ولاية كاملة لأن الرأس الذي يمونه ويلي عليه ولاية كاملة تكون في معنى رأسه في الذب ، والنصرة فكما يجب عليه زكاة رأسه يجب عليه زكاة ما هو في معنى رأسه فيجب عليه أن يخرج صدقة الفطر عن مماليكه الذين هم لغير التجارة لوجود السبب وهو لزوم المؤنة وكمال الولاية مع وجود شرطه وهو ما ذكرنا .

وقال صلى الله عليه وسلم { : أدوا عن كل حر وعبد } وسواء كانوا مسلمين ، أو كفارا عندنا ، وقال الشافعي لا تؤدى إلا عن مسلم .

وجه قوله إن الوجوب على العبد وإنما المولى يتحمل عنه ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالأداء عن العبد ، والأداء عنه ينبئ عن التحمل فثبت أن الوجوب على العبد فلا بد من أهلية الوجوب في حقه ، والكافر ليس من أهل الوجوب فلم يجب عليه ولا يتحمل عنه المولى ; لأن التحمل بعد الوجوب ، فأما المسلم فمن أهل الوجوب فتجب عليه الزكاة إلا أنه ليس من أهل الأداء لعدم الملك فيتحمل عنه المولى ، ولنا أنه وجد سبب وجوب الأداء عنه وشرطه وهو ما ذكرنا فيجب الأداء عنه ، وقوله : " الوجوب على العبد وإنما المولى يتحمل عنه أداء الواجب فاسد ; لأن الوجوب على العبد يستدعي أهلية الوجوب في حقه وهو ليس من أهل الوجوب ; لأن الوجوب هو وجوب الأداء ، والأداء بالملك ولا ملك له فلا وجوب عليه فلا يتصور التحمل ، وقوله المأمور به هو الأداء عنه بالنص مسلم لكن لم قلتم إن الأداء عنه يقتضي أن يكون بطريق التحمل بل هو أمر بالأداء بسببه وهو رأسه الذي يمونه ويلي عليه ولاية كاملة فكان في الحديث بيان سببية وجوب الأداء عمن يؤدي عنه لا الأداء بطريق التحمل فتعتبر أهلية وجوب الأداء في حق المولى وقد وجدت روي عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { : أدوا صدقة الفطر عن كل حر وعبد صغير ، أو كبير يهودي ، أو نصراني ، أو مجوسي نصف صاع من بر ، أو صاعا من تمر ، أو شعير } وهذا نص في الباب ، ويخرج عن مدبريه وأمهات ، أولاده لعموم قوله صلى الله عليه وسلم { أدوا عن كل حر وعبد } وهؤلاء عبيد لقيام الرق ، والملك فيهم .

ألا ترى أن له أن يستخدمهم ويستمتع بالمدبرة وأم الولد ؟ ولا يجوز ذلك في غير الملك ، ولا يجب عليه أن يخرج عن مكاتبه ولا عن رقيق مكاتبه ; لأنه لا يلزمه نفقتهم وفي ولايته عليهم قصور ولا يجب على المكاتب أن يخرج فطرته عن نفسه ولا عن رقيقه عند عامة العلماء وقال مالك : يجب عليه ; لأن المكاتب مالك ; لأنه يملك اكتسابه فكان في اكتسابه كالحر فتجب عليه كما تجب على الحر ولنا أنه لا ملك له حقيقة ; لأنه عبد ما بقي عليه درهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم والعبد مملوك فلا يكون مالكا ضرورة .

وأما معتق البعض فهو بمنزلة المكاتب عند أبي حنيفة وعندهما هو حر عليه دين وإن كان غنيا بأن كان له مال فضلا عن دينه مائتي درهم فصاعدا فإنه يخرج صدقة الفطر عن نفسه وعن رقيقه وإلا فلا .

ويخرج عن عبده المؤاجر ، الوديعة ، والعارية ، وعبده المديون المستغرق بالدين ، وعبده الذي في رقبته جناية لعموم النص ولوجود سبب الوجوب وشرطه وهو ما ذكرنا ويخرج عن عبد الرهن لما ذكرنا وهذا إذا كان للراهن وفاء فإن لم يكن له وفاء فلا صدقة عليه عنه ; لأنه فقير بخلاف عبده المديون دينا مستغرقا ; لأن الصدقة تجب على المولى ولا دين على المولى .

وأما عبد عبده المأذون فإن كان على المولى دين فلا يخرج في قول أبي حنيفة ; لأن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون وعندهما يخرج ; لأنه يملكه وإن لم يكن عليه دين فلا يخرج بلا خلاف بين أصحابنا ; لأنه عبد التجارة ولا فطرة في عبد التجارة عندنا ، ولا يخرج عن عبده الآبق ولا عن المغصوب [ ص: 71 ] المجحود ولا عن عبده المأسور ; لأنه خارج عن يده وتصرفه فأشبه المكاتب قال أبو يوسف : ليس في رقيق الأخماس ورقيق القوام الذين يقومون على مرافق العوام مثل زمزم وما أشبهها ، ورقيق الفيء صدقة الفطر لعدم الولاية لأحد عليهم إذ هم ليس لهم مالك معين وكذلك السبي ورقيق الغنيمة ، والأسرى قبل القسمة على أصله لما قلنا .

وأما العبد الموصى برقبته لإنسان وبخدمته لآخر فصدقة فطره على صاحب الرقبة لقوله صلى الله عليه وسلم { أدوا عن كل حر وعبد } ، والعبد اسم للذات المملوكة وأنه لصاحب الرقبة ، وحق صاحب الخدمة متعلق بالمنافع فكان كالمستعير ، والمستأجر ولا يخرج عن عبيد التجارة عندنا ، وعند الشافعي يخرج .

وجه قوله إن وجوب الزكاة لا ينافي وجوب صدقة الفطر ; لأن سبب وجوب كل واحد منهما مختلف ولنا أن الجمع بين زكاة المال وبين زكاة الرأس يكون ثنى في الصدقة وقال النبي صلى الله عليه وسلم { لا ثنى في الصدقة } ، والعبد المشترك بينه وبين غيره ليس على أحدهما صدقة فطره عندنا ، وقال الشافعي : تجب الفطرة عليهما بناء على أصله الذي ذكرنا أن الوجوب على العبد وإنما المولى يتحمل عنه بالملك فيتقدر بقدر الملك .

وأما عندنا فالوجوب على المولى بسبب الوجوب وهو رأس يلزمه مؤنته ويلي عليه ولاية كاملة وليس لكل واحد منهما ولاية كاملة .

ألا ترى أنه لا يملك كل واحد منهما تزويجه فلم يوجد السبب ؟ وإن كان عدد من العبيد بين رجلين فلا فطرة عليهما في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ، وقال محمد : إن كان بحال لو قسموا أصاب كل واحد منهما عبد كامل تجب على كل واحد منهما صدقة فطره بناء على أن الرقيق لا يقسم قسمة جمع عند أبي حنيفة فلا يملك كل واحد منهما عبدا كاملا ، وعند محمد يقسم الرقيق قسمة جمع فيملك كل واحد منهما عبدا تاما من حيث المعنى كأنه انفرد به فيجب على كل واحد منهما كالزكاة في السوائم المشتركة ، وأبو يوسف وافق أبا حنيفة في هذا وإن كان يرى قسمة الرقيق لنقصان الولاية إذ ليس لكل واحد منهما ولاية كاملة وكمال الولاية بعض أوصاف السبب ، ولو كان بين رجلين جارية فجاءت بولد فادعياه معا حتى ثبت نسب الولد منهما وصارت الجارية أم ولدهما فلا فطرة على واحد منهما عن الجارية بلا خلاف بين أصحابنا ; لأنها جارية مشتركة بينهما ، وأما الولد فقال أبو يوسف : يجب على كل واحد منهما صدقة فطره تامة ، وقال محمد : تجب عليهما صدقة واحدة .

وجه قوله إن الذي وجب عليه واحد ، والشخص الواحد لا تجب عنه إلا فطرة واحدة كسائر الأشخاص ، ولأبي يوسف أن الولد ابن تام في حق واحد منهما بدليل أنه يرث من كل واحد منهما ميراث ابن كامل فيجب على كل واحد منهما عنه صدقة تامة .

ولو اشترى عبدا بشرط الخيار للبائع أو للمشتري أو لهما جميعا أو شرط أحدهما الخيار لغيره فمر يوم الفطر في مدة الخيار فصدقة الفطر موقوفة إن تم البيع بمضي مدة الخيار ، أو بالإجازة فعلى المشتري ; لأنه ملكه من وقت البيع وإن فسخ فعلى البائع ; لأنه تبين أن المبيع لم يزل عن ملكه وعند زفر إن كان الخيار للبائع ، أو لهما جميعا ، أو شرط البائع الخيار لغيره فصدقة الفطر على البائع تم البيع ، أو انفسخ ، وإن كان الخيار للمشتري فعلى المشتري تم البيع ، أو انفسخ ، ولو اشتراه بعقد ثان فمر يوم الفطر قبل القبض فصدقة فطره على المشتري إن قبضه ; لأن الملك ثبت للمشتري بنفس الشراء وقد تقرر بالقبض وإن مات قبل القبض فلا يجب على واحد منهما أما جانب البائع فظاهر ; لأن العبد قد خرج عن ملكه بالبيع .

ووقت الوجوب هو وقت طلوع الفجر من يوم الفطر كان الملك للمشتري .

وأما جانب المشتري فلأن ملكه قد انفسخ قبل تمامه وجعل كأنه لم يكن من الأصل .

ولو رده المشتري على البائع بخيار رؤية ، أو عيب إن رده قبل القبض فعلى البائع ; لأن الرد قبل القبض فسخ من الأصل وإن رده بعد القبض فعلى المشتري ; لأنه بمنزلة بيع جديد وإن اشتراه شراء فاسدا فمر يوم الفطر فإن كان مر وهو عند البائع فعلى البائع ; لأن البيع الفاسد لا يفيد الملك للمشتري قبل القبض فمر عليه يوم الفطر وهو على ملك البائع فكان صدقة فطره عليه .

وإن كان في يد المشتري وقت طلوع الفجر فصدقة فطره موقوفة لاحتمال الرد فإن رده فعلى البائع ; لأن الرد في العقد الفاسد فسخ من الأصل وإن تصرف فيه المشتري حتى وجبت عليه قيمته فعلى المشتري ; لأنه تقرر ملكه عليه .

ويخرج عن ، أولاده الصغار وإذا كانوا فقراء لقوله صلى الله عليه وسلم { أدوا عن كل صغير وكبير } ولأن نفقتهم واجبة على الأب [ ص: 72 ] وولاية الأب عليهم تامة ، وهل يخرج الجد عن ابن ابنه الفقير الصغير حال عدم الأب أو حال كونه فقيرا ؟ ذكر محمد في الأصل أنه لا يخرج ، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يخرج .

وجه رواية الحسن أن الجد عند عدم الأب قائم مقام الأب فكانت ولايته حال عدم الأب كولاية الأب .

وجه رواية الأصل أن ولاية الجد ليست بولاية تامة مطلقة بل هي قاصرة .

ألا ترى أنها لا تثبت إلا بشرط عدم الأب ؟ فأشبهت ولاية الوصي ، والوصي لا يجب عليه الإخراج فكذا الجد .

وأما الكبار العقلاء فلا يخرج عنهم عندنا وإن كانوا في عياله بأن كانوا فقراء زمنى ، وقال الشافعي : عليه فطرتهم واحتج بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { : أدوا عن كل حر وعبد صغير ، أو كبير ممن تمونون } فإذا كانوا في عياله يمونهم فعليه فطرتهم .

ولنا أن أحد شطري السبب وهو الولاية منعدم ، والحديث محمول على جواز الأداء عنهم لا على الوجوب .

ولا يلزمه أن يخرج عن أبويه وإن كانا في عياله لعدم الولاية عليهما ، ولا يخرج عن الحمل لانعدام كمال الولاية ولأنه لا يعلم حياته ولا يلزم الزوج صدقة فطر زوجته عندنا ، وقال الشافعي : يلزمه ; لأنها تجب مؤنة الزوج وولايته فوجد سبب الوجوب .

( ولنا ) أن شرط تمام السبب كمال الولاية وولاية الزوج عليها ليست بكاملة فلم يتم السبب وليس في شيء من الحيوان سوى الرقيق صدقة الفطر إما ; لأن وجوبها عرف بالتوقيف وأنه لم يرد فيما سوى الرقيق من الحيوانات ، أو ; لأنها وجبت طهرة للصائم عن الرفث ومعنى الطهرة لا يتقرر في سائر الحيوانات فلا تجب عنها والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث