الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

وأما الذي يرجع إلى الصائم فمنها : الإسلام فإنه شرط جواز الأداء بلا خلاف ، وفي كونه شرط الوجوب خلاف سنذكره في موضعه ، ومنها الطهارة عن الحيض ، والنفاس فإنها شرط صحة الأداء بإجماع الصحابة رضي الله عنهم وفي كونها شرط الوجوب خلاف نذكره في موضعه ، فأما البلوغ : فليس من شرائط صحة الأداء فيصح أداء الصوم من الصبي العاقل ويثاب عليه لكنه من شرائط الوجوب لما نذكره .

وكذا العقل ، والإفاقة ليسا من شرائط صحة الأداء حتى لو نوى الصوم من الليل ثم جن في النهار أو أغمي عليه يصح صومه في ذلك اليوم ولا يصح صومه في اليوم الثاني ، لا لعدم أهلية الأداء بل لعدم النية لأن النية من المجنون ، والمغمى عليه لا تتصور ، وفي كونهما من شرائط الوجوب كلام نذكره في موضعه ، ومنها النية ، والكلام في هذا الشرط يقع في ثلاث مواضع أحدها : في بيان أصله ، والثاني : في بيان كيفيته ، والثالث : في بيان وقته .

أما الأول : فأصل النية شرط جواز الصيامات كلها في قول أصحابنا الثلاثة ، وقال زفر : صوم رمضان في حق المقيم جائز بدون النية ، واحتج بقوله تعالى { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } أمر بصوم الشهر مطلقا عن شرط النية ، والصوم هو الإمساك .

وقد أتى به فيخرج عن العهدة ، ولأن النية إنما تشترط للتعيين ، والحاجة إلى التعيين عند المزاحمة ، ولا مزاحمة لأن الوقت لا يحتمل إلا صوما واحدا في حق المقيم وهو صوم رمضان فلا حاجة إلى التعيين بالنية ، ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم { لا عمل لمن لا نية له } وقوله { الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى } ولأن صوم رمضان عبادة ، والعبادة اسم لفعل يأتيه العبد باختياره خالصا لله تعالى بأمره ، والاختيار ، والإخلاص لا يتحققان بدون النية .

وأما الآية : فمطلق اسم الصوم ينصرف إلى الصوم الشرعي ، والإمساك لا يصير شرعا بدون النية ، لما بينا ، وأما قوله : إن النية شرط للتعيين وزمان رمضان متعين لصوم رمضان فلا حاجة إلى النية ، فنقول لا حاجة إلى النية لتعيين الوصف ، لكن تقع الحاجة إلى النية لتعيين الأصل ، بيانه أن أصل الإمساك متردد بين أن يكون عادة ، أو حمية ، وبين أن يكون لله تعالى ، بل الأصل أن يكون فعل كل فاعل لنفسه ما لم يجعله لغيره فلا بد من النية ليصير لله تعالى ، ثم إذا صار أصل الإمساك لله تعالى في هذا الوقت بأصل النية ، والوقت متعين لفرضه يقع عن الفرض من غير الحاجة إلى تعيين الوصف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث