الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

وأما الثالث وهو وقت النية : فالأفضل في الصيامات كلها أن ينوي وقت طلوع الفجر إن أمكنه ذلك ، أو من الليل ، لأن النية عند طلوع الفجر تقارن أول جزء من العبادة حقيقة ومن الليل تقارنه تقديرا ، وإن نوى بعد طلوع الفجر فإن كان الصوم دينا لا يجوز بالإجماع ، وإن كان عينا وهو صوم رمضان وصوم التطوع خارج رمضان ، والمنذور المعين يجوز ، وقال زفر : إن كان مسافرا لا يجوز صومه عن رمضان بنية من النهار ، وقال الشافعي : لا يجوز بنية من النهار إلا التطوع ، وقال مالك : لا يجوز التطوع أيضا ، ولا يجوز صوم التطوع بنية من النهار بعد الزوال عندنا وللشافعي فيه قولان أما الكلام مع مالك فوجه قوله إن التطوع تبع للفرض ثم لا يجوز صوم الفرض بنية من النهار ، فكذا التطوع ، ولنا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح لا ينوي الصوم ثم يبدو له فيصوم } .

وعن عائشة رضي الله عنها { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على أهله فيقول : هل عندكم من غداء ؟ فإن قالوا : لا ، قال : فإني صائم ، } وصوم التطوع بنية من النهار قبل الزوال مروي عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي طلحة .

وأما الكلام فيما بعد الزوال : فبناء على أن صوم النفل عندنا غير متجزئ كصوم الفرض ، وعند الشافعي في أحد قوليه متجزئ حتى قال : يصير صائما من حين نوى لكن بشرط الإمساك في أول النهار ، وحجته ما روينا عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما مطلقا من غير فصل بين ما قبل الزوال وبعده .

وأما عندنا فالصوم لا يتجزأ فرضا كان ، أو نفلا ويصير صائما من أول النهار لكن بالنية الموجودة وقت الركن وهو الإمساك وقت الغداء المتعارف لما نذكر ، فإذا نوى بعد الزوال فقد خلا بعض الركن عن الشرط ، فلا يصير صائما شرعا ، والحديثان محمولان على ما قبل الزوال بدليل ما ذكرنا .

وأما الكلام مع [ ص: 86 ] الشافعي في صوم رمضان فهو يحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا صيام لمن لم يعزم الصوم من الليل } ، ولأن الإمساك من أول النهار إلى آخره ركن فلا بد له من النية ليصير لله تعالى .

وقد انعدمت في أول النهار فلم يقع الإمساك في أول النهار لله تعالى لفقد شرطه ، فكذا الباقي لأن صوم الفرض لا يتجزأ ولهذا لا يجوز صوم القضاء ، والكفارات ، والنذور المطلقة بنية من النهار .

وكذا صوم رمضان ولنا قوله تعالى { أحل لكم ليلة الصيام الرفث } إلى قوله { ثم أتموا الصيام إلى الليل } أباح للمؤمنين الأكل ، والشرب ، والجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر ، وأمر بالصيام عنها بعد طلوع الفجر متأخرا عنه لأن كلمة " ثم " للتعقيب مع التراخي فكان هذا أمرا بالصوم متراخيا عن أول النهار ، والأمر بالصوم أمر بالنية إذ لا صحة للصوم شرعا بدون النية ، فكان أمرا بالصوم بنية متأخرة عن أول النهار وقد أتى به فقد أتى بالمأمور به فيخرج عن العهدة ، وفيه دلالة أن الإمساك في أول النهار يقع صوما وجدت فيه النية ، أو لم توجد لأن إتمام الشيء يقتضي سابقية وجود بعض منه ولأنه صام رمضان في وقت متعين شرعا لصوم رمضان لوجود ركن الصوم مع شرائطه التي ترجع إلى الأهلية ، والمحلية ، ولا كلام في سائر الشرائط وإنما الكلام في النية ووقتها وقت وجود الركن ، وهو الإمساك وقت الغداء المتعارف ، والإمساك في أول النهار شرط وليس بركن لأن ركن العبادة ما يكون شاقا على البدن مخالفا للعادة وهوى النفس وذلك هو الإمساك وقت الغداء المتعارف ، فأما الإمساك في أول النهار : فمعتاد فلا يكون ركنا بل يكون شرطا لأنه وسيلة إلى تحقيق معنى الركن إلا أنه لا يعرف كونه وسيلة للحال لجواز أن لا ينوي وقت الركن فإذا نوى ظهر كونه وسيلة من حين وجوده ، والنية تشترط لصيرورة الإمساك الذي هو ركن عبادة لا لما يصير عبادة بطريق الوسيلة على ما قررنا في الخلافيات ، وأما الحديث : فهو من الآحاد فلا يصلح ناسخا للكتاب لكنه يصلح مكملا له فيحمل على نفي الكمال كقوله : { لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد } ليكون عملا بالدليلين بقدر الإمكان .

وأما صيام القضاء ، والنذور ، والكفارات : فما صامها في وقت متعين لها شرعا لأن خارج رمضان متعين للنفل موضوع له شرعا إلا أن يعينه لغيره ، فإذا لم ينو من الليل صوما آخر بقي الوقت متعينا للتطوع شرعا ، فلا يملك تغييره ، فأما ههنا فالوقت متعين لصوم رمضان وقد صامه لوجود ركن الصوم وشرائطه على ما بينا ، وأما الكلام مع زفر في المسافر إذا صام رمضان بنية من النهار فوجه قوله : أن الصوم غير واجب على المسافر في رمضان حتما .

ألا ترى أن له أن يفطر ، والوقت غير متعين لصوم رمضان في حقه ، فإن له أن يصوم عن واجب آخر فأشبه صوم القضاء خارج رمضان وذا لا يتأدى بنية من النهار كذا هذا .

ولنا أن الصوم واجب على المسافر في رمضان وهو العزيمة في حقه إلا أن له أن يترخص بالإفطار ، وله أن يصوم عن واجب آخر عند أبي حنيفة بطريق الرخصة ، والتيسير أيضا لما فيه من إسقاط الفرض عن ذمته على ما بينا فيما تقدم ، فإذا لم يفطر ولم ينو واجبا آخر بقي صوم رمضان واجبا عليه ، وقد صامه فيخرج عن العهدة كالمقيم سواء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث