الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ولو ذرعه القيء لم يفطره سواء كان أقل من ملء الفم ، أو كان ملء الفم ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم { : ثلاث لا يفطرن الصائم : القيء ، والحجامة ، والاحتلام } وقوله { : من قاء فلا قضاء عليه } ولأن ذرع القيء مما لا يمكن التحرز عنه بل يأتيه على وجه لا يمكنه دفعه فأشبه الناسي ولأن الأصل أن لا يفسد الصوم بالقيء سواء ذرعه ، أو تقيأ لأن فساد الصوم متعلق بالدخول شرعا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم { : الفطر مما يدخل ، والوضوء مما يخرج } علق كل جنس الفطر بكل ما يدخل ، ولو حصل لا بالدخول لم يكن كل جنس الفطر معلقا بكل ما يدخل لأن الفطر الذي يحصل بما يخرج لا يكون ذلك الفطر حاصلا بما يدخل ، وهذا خلاف النص ، إلا أنا عرفنا الفساد بالاستقاء بنص آخر وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم { : ومن استقاء فعليه القضاء } فبقي الحكم في الذرع على الأصل ، ولأنه لا صنع له في الذرع وهو سبق القيء بل يحصل بغير قصده واختياره ، والإنسان لا يؤاخذ بما لا صنع له فيه ، فلهذا لا يؤاخذ الناسي بفساد الصوم ، فكذا هذا لأن هذا في معناه بل أولى لأنه لا صنع له فيه أصلا بخلاف الناسي على ما مر ، فإن عاد إلى جوفه فإن كان أقل من ملء الفم لا يفسد بلا خلاف ، وإن كان ملء الفم فذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن في قول أبي يوسف يفسد ، وفي قول محمد لا يفسد ، وذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي الاختلاف على العكس فقال في قول أبي يوسف : لا يفسد وفي قول محمد يفسد ، وجه قول من قال يفسد أنه وجد المفسد وهو الدخول في الجوف لأن القيء ملء الفم له حكم الخروج بدليل انتقاض الطهارة ، والطهارة لا تنتقض إلا بخروج النجاسة فإذا عاد فقد وجد الدخول فيدخل تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم { ، والفطر مما يدخل } .

وجه قول من قال لا يفسد أن العود ليس صنعه بل هو صنع الله تعالى على طريق التمحض يعني به مصنوعه لا صنع للعبد فيه رأسا ، فأشبه ذرع القيء ، وإنه غير مفسد كذا عود القيء فإن أعاده فإن كان ملء الفم فسد صومه بالاتفاق لوجود الإدخال متعمدا لما ذكرنا أن للقيء ملء الفم حكم الخروج حتى يوجب انتقاض الطهارة ، فإذا أعاده فقد أدخله في الجوف عن قصد ، فيوجب فساد الصوم وإن كان أقل من ملء الفم ففي قول أبي يوسف لا يفسد وفي قول محمد يفسد ، وجه قول محمد أنه وجد الدخول إلى الجوف بصنعه فيفسد ولأبي يوسف أن الدخول إنما يكون بعد الخروج ، وقليل القيء ليس له حكم الخروج بدليل عدم انتقاض الطهارة به فلم يوجد الدخول فلا يفسد ، هذا الذي ذكرنا كله إذا ذرعه القيء فأما إذا استقاء فإن كان ملء الفم يفسد صومه بلا خلاف لقول النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 93 ] { ومن استقاء فعليه القضاء ، } وإن كان أقل من ملء الفم لا يفسد في قول أبي يوسف ، وعند محمد يفسد واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم { ومن استقاء فعليه القضاء مطلقا } من غير فصل بين القليل ، والكثير .

وجه قول أبي يوسف ما ذكرنا أن الأصل أن لا يفسد الصوم إلا بالدخول بالنص الذي روينا ، ولم يوجد ههنا فلا يفسد ، والحديث محمول على الكثير توفيقا بين الدليلين بقدر الإمكان ، ثم كثير المستقاء لا يتفرع عليه العود ، والإعادة لأن الصوم قد فسد بالاستقاء وكذا قليله في قول محمد لأن عنده فسد الصوم بنفس الاستقاء ، وإن كان قليلا ، وأما على قول أبي يوسف فإن عاد لا يفسد ، وإن أعاده ففيه عن أبي يوسف روايتان في رواية : يفسد ، وفي رواية : لا يفسد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث