الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

فإن خرج من المسجد الذي يعتكف فيه لعذر بأن انهدم المسجد أو أخرجه السلطان مكرها أو غير السلطان [ ص: 115 ] فدخل مسجدا آخر غيره من ساعته ; لم يفسد اعتكافه استحسانا والقياس أن يفسد وجه القياس أنه وجد ضد الاعتكاف وهو الخروج الذي هو ترك الإقامة فيبطل كما لو خرج عن اختيار .

وجه الاستحسان أنه خرج من غير ضرورة أما عند انهدام المسجد فظاهر ; لأنه لا يمكنه الاعتكاف فيه بعد ما انهدم ; فكان الخروج منه أمرا لا بد منه بمنزلة الخروج لحاجة الإنسان وأما عند الإكراه ; فلأن الإكراه من أسباب العذر في الجملة ، فكان هذا القدر من الخروج ملحقا بالعدم كما إذا خرج لحاجة الإنسان وهو يمشي مشيا رفيقا .

فإن خرج من المسجد لغير عذر ; فسد اعتكافه في قول أبي حنيفة وإن كان ساعة ، وعند أبي يوسف ومحمد لا يفسد حتى يخرج أكثر من نصف يوم قال محمد : قول أبي حنيفة أقيس وقول أبي يوسف أوسع .

وجه قولهما أن الخروج القليل عفو وإن كان بغير عذر بدليل أنه لو خرج لحاجة الإنسان وهو يمشي متأنيا ; لم يفسد اعتكافه وما دون نصف اليوم ; فهو قليل فكان عفوا ، ولأبي حنيفة أنه ترك الاعتكاف باشتغاله بضده من غير ضرورة فيبطل اعتكافه لفوات الركن ، وبطلان الشيء بفوات ركنه يستوي فيه الكثير والقليل كالأكل في باب الصوم وفي الخروج لحاجة الإنسان ضرورة .

وأحوال الناس في المشي مختلفة لا يمكن ضبطها فسقط اعتبار صفة المشي وههنا لا ضرورة في الخروج وعلى هذا الخلاف إذا خرج لحاجة الإنسان ومكث بعد فراغه أنه ينتقض اعتكافه عند أبي حنيفة قل مكثه أو كثر ، وعندهما لا ينتقض ما لم يكن أكثر من نصف يوم .

ولو صعد المئذنة لم يفسد اعتكافه بلا خلاف وإن كان باب المئذنة خارج المسجد ; لأن المئذنة من المسجد .

ألا ترى أنه يمنع فيه كل ما يمنع في المسجد من البول ونحوه ولا يجوز بيعها فأشبه زاوية من زوايا المسجد وكذا إذا كانت داره بجنب المسجد فأخرج رأسه إلى داره لا يفسد اعتكافه ; لأن ذلك ليس بخروج .

ألا ترى أنه لو حلف لا يخرج من الدار ففعل ذلك ; لا يحنث في يمينه وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت { : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج رأسه من المسجد فيغسل رأسه } وإن غسل رأسه في المسجد في إناء لا بأس به إذا لم يلوث المسجد بالماء المستعمل ، فإن كان بحيث يتلوث المسجد يمنع منه ; لأن تنظيف المسجد واجب لو توضأ في المسجد في إناء ; فهو على هذا التفصيل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث