الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان سنن الحج وبيان الترتيب في أفعاله

جزء التالي صفحة
السابق

وإذا فرغ المفرد بالحج أو القارن من السعي يقيم على إحرامه ، ويطوف طواف التطوع ماشيا إلى يوم التروية ; لأن الطواف خير موضوع كالصلاة فمن شاء استقل ، ومن شاء استكثر ، وطواف التطوع أفضل من صلاة التطوع للغرباء .

وأما لأهل مكة فالصلاة أفضل ; لأن الغرباء يفوتهم الطواف إذ لا يمكنهم الطواف في كل مكان ، ولا تفوتهم الصلاة ; لأنه يمكن فعلها في كل مكان ، وأهل مكة لا يفوتهم الطواف ، ولا الصلاة فعند الاجتماع الصلاة أفضل ، وعلى هذا الغازي الحارس في دار الحرب أنه إن كان هناك من ينوب عنه في دار الحرب فصلاة التطوع أفضل له ، وإن لم يكن فالحراسة أفضل .

ولا يرمل في هذا الطواف بل يمشي على هيئته ، ولا يسعى بعده بين الصفا ، والمروة غير السعي الأول ، ويصلي لكل أسبوع ركعتين في الوقت الذي لا يكره فيه التطوع ، ويكره الجمع بين أسبوعين من غير صلاة بينهما عند أبي حنيفة ، ومحمد سواء الصرف [ ص: 151 ] عن شفع أو وتر ، وقال أبو يوسف : لا بأس به إذا انصرف عن وتر نحو أن ينصرف عن ثلاثة أسابيع أو عن خمسة أسابيع أو عن سبعة أسابيع ، واحتج بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تجمع بين الطواف ثم تصلي بعده ، ثم فرق أبو يوسف بين انصرافه عن شفع أو عن وتر فقال : إذا انصرف عن أسبوعين ، وذلك أربعة عشر أو أربعة أسابيع ، وذلك ثمانية وعشرون يكره ، ولو انصرف عن ثلاثة أو عن خمسة لا يكره ; لأن الأول شفع ، والثاني وتر ، وأصل الطواف سبعة ، وهي وتر ، ولهما أن ترتيب الركعتين على الطواف كترتيب السعي عليه ; لأن كل واحد منهما واجب ثم لو جمع بين أسبوعين من الطواف ، وأخر السعي يكره ، فكذا إذا جمع بين أسبوعين منه ، وأخر الصلاة .

وأما حديث عائشة رضي الله عنها فيحمل أنها فعلت ذلك لضرورة وعذر ، فإذا كان يوم التروية ، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة يروح مع الناس إلى منى ، فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر لما روي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { جاء جبريل إلى إبراهيم عليهما السلام يوم التروية فخرج به إلى منى ، فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، ثم غدا به إلى عرفات } .

وروي عن جابر رضي الله عنه أنه قال { : لما كان يوم التروية توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس ، وسار إلى عرفات } ، فإن دفع منها قبل طلوع الشمس جاز ، والأول أفضل لما روينا فيخرج إلى عرفات على السكينة والوقار ، فإذا انتهى إليها نزل بها حيث أحب إلا في بطن عرنة لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال { عرفات كلها موقف إلا بطن عرنة } ، ويغتسل يوم عرفة ، وغسل يوم عرفة سنة كغسل يوم الجمعة ، والعيدين ، وعند الإحرام ، وذكر في الأصل إن اغتسل فحسن ، وهذا يشير إلى الاستحباب ، ثم غسل يوم عرفة لأجل يوم عرفة ، أو لأجل الوقوف فيجوز أن يكون على الاختلاف الذي ذكرنا في غسل يوم الجمعة في كتاب الطهارة ، فإذا زالت الشمس صعد الإمام المنبر فأذن المؤذنون ، والإمام على المنبر في ظاهر الرواية ، فإذا فرغوا من الأذان قام الإمام ، وخطب خطبتين ، وعن أبي يوسف ثلاث روايات .

روي عنه مثل قول أبي حنيفة ، ومحمد .

وروي عنه أنه يؤذن المؤذن والإمام في الفسطاط ثم يخرج بعد فراغ المؤذن من الأذان ، فيصعد المنبر ، ويخطب ، وروى الطحاوي عنه في باب خطب الحج : أن الإمام يبدأ بالخطبة قبل الأذان ، فإذا مضى صدر من خطبته أذن المؤذنون ، ثم يتم خطبته بعد الأذان .

أما تقديم الخطبة على الصلاة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قدمها على الصلاة ، ولأن المقصود من هذه الخطبة تعليم أحكام المناسك ، فلا بد من تقديمها ليعلموا ، ولأنه لو أخرها يتبادر القوم إلى الوقوف ، ولا يستمعون ، فلا يحصل المقصود من هذه الخطبة ، ثم هذه الخطبة سنة ، وليست بفريضة حتى لو جمع بين الظهر والعصر فصلاهما من غير خطبة أجزأه ، بخلاف خطبة الجمعة ; لأنه لا تجوز الجمعة بدونها ، والفرق : أن هذه الخطبة لتعليم المناسك لا لجواز الجمع بين الصلاتين .

وفرضية خطبة الجمعة لقصر الصلاة ، وقيامها مقام البعض على ما قالت عائشة : رضي الله عنها إنما قصرت الجمعة لمكان الخطبة ، وقصر الصلاة ترك شطرها ، ولا يجوز ترك الفرض إلا لأجل الفرض ، فكانت الخطبة فرضا ، ولا قصر ههنا ; لأن كل واحد من الفرضين يؤدى على الكمال والتمام فلم تكن الخطبة فرضا إلا أنه يكون مسيئا بترك الخطبة ; لأنه ترك السنة ، ولو خطب قبل الزوال أجزأه وقد أساء ، أما الجواز ; فلأن هذه الخطبة ليست من شطر الصلاة ، فلا يشترط لها الوقت .

وأما الإساءة فلتركه السنة ; إذ السنة أن تكون الخطبة بعد الزوال ، بخلاف خطبة يوم الجمعة فإنه إذا خطب قبل الزوال لا تجوز الجمعة ; لأن الخطبة هناك من فرائض الجمعة .

ألا ترى أنه قصرت الجمعة لمكانها ، ولا يترك بعض الفرض إلا لأجل الفرض .

وأما الكلام في وقت صعود الإمام على المنبر أنه يصعد قبل الأذان أو بعده فوجه رواية أبي يوسف : أن الصلاة التي تؤدى في هذا الوقت هي صلاة الظهر ، والعصر فيكون الأذان فيهما قبل خروج الإمام كما في سائر الصلوات ، وكما في الظهر والعصر في غير هذا المكان والزمان ، وجه ظاهر الرواية : أن هذه الخطبة لما كانت متقدمة على الصلاة كان هذا الأذان للخطبة ، فيكون بعد صعود الإمام على المنبر كخطبة الجمعة .

وقد خرج الجواب عما قاله أبو يوسف أن [ ص: 152 ] هذه صلاة الظهر والعصر ; لأنا نقول : نعم لكن نقدم عليها الخطبة فيكون وقت الأذان بعد ما صعد الإمام المنبر للخطبة كما في خطبة الجمعة ، فإذا فرغ المؤذنون من الأذان قام الإمام ، وخطب خطبتين قائما يفصل بينهما بجلسة خفيفة كما يفصل في خطبة الجمعة ، وصفة الخطبة هي أن يحمد الله تعالى ، ويثني عليه ويكبر ويهلل ويعظ الناس فيأمرهم بما أمرهم الله عز وجل ، وينهاهم عما نهاهم الله عنه ويعلمهم مناسك الحج ; لأن الخطبة في الأصل وضعت لما ذكرنا من الحمد والثناء والتهليل والتكبير والوعظ والتذكير .

ويزاد في هذه الخطبة تعليم معالم الحج لحاجة الحجاج إلى ذلك ليتعلموا الوقوف بعرفة والإفاضة منها والوقوف بمزدلفة ، فإذا فرغ من الخطبة أقام المؤذنون فصلى الإمام بهم صلاة الظهر ، ثم يقوم المؤذنون فيقيمون للعصر فيصلي بهم الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين ، ولا يشتغل الإمام والقوم بالسنن والتطوع فيما بينهما ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بينهما بعرفة يوم عرفة بأذان واحد وإقامتين ، ولم يتنفل قبلهما ، ولا بعدهما مع حرصه على النوافل ، فإن اشتغلوا فيما بينهما بتطوع أو غيره أعادوا الأذان للعصر ; لأن الأصل أن يؤذن لكل مكتوبة ، وإنما عرف ترك الأذان بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لم يشتغل فيما بين الظهر والعصر بالتطوع ، ولا بغيره فبقي الأمر عند الاشتغال على الأصل .

ويخفي الإمام القراءة فيهما ، بخلاف الجمعة والعيدين ، فإنه يجهر فيهما بالقراءة ; لأن الجهر بالقراءة هناك من الشعائر ، والسبيل في الشعائر إشهارها ، وفي الجهر زيادة إشهار ، فشرعت تلك الصلاة كذلك ، فأما الظهر والعصر فهما على حالهما لم يتغيرا ; لأنهما كظهر سائر الأيام ، وعصر سائر الأيام ، والحادث ليس إلا اجتماع الناس ، واجتماعهم للوقوف لا للصلاة ، وإنما اجتماعهم في حق الصلاة حصل اتفاقا ثم إن كان الإمام مقيما من أهل مكة يتم كل واحدة من الصلاتين أربعا أربعا ، والقوم يتمون معه ، وإن كانوا مسافرين ; لأن المسافر إذا اقتدى بالمقيم في الوقت يلزمه الإتمام ; لأنه بالاقتداء بالإمام صار تابعا له في هذه الصلاة ، وإن كان الإمام مسافرا يصلي كل واحدة من الصلاتين ركعتين ركعتين ، فإذا سلم يقول لهم : أتموا صلاتكم يا أهل مكة فإنا قوم سفر ، ثم لجواز الجمع أعني تقديم العصر على وقتها ، وأداءها في وقت الظهر شرائط : بعضها متفق عليه ، وبعضها مختلف فيه ، أما المتفق عليه : فهو شرطان أحدهما أن يكون أداؤها عقيب الظهر ، لا يجوز تقديمها عليها ; لأنها شرعت مرتبة على الظهر ، فلا يسقط الترتيب إلا بأسباب مسقطة ، ولم توجد فلا تسقط فلزم مراعاة الترتيب ، والثاني : أن تكون مرتبة على ظهر جائزة استحسانا حتى لو صلى الإمام بالناس الظهر والعصر في يوم غيم ، ثم استبان لهم أن الظهر وقعت قبل الزوال ، والعصر بعد الزوال ، فعليهم إعادة الظهر والعصر جميعا استحسانا .

والقياس : أن لا يكون هذا شرطا ، وليس عليه إلا إعادة الظهر ، وجه القياس : الاعتبار بسائر الأيام فإنه إذا صلى العصر في سائر الأيام على ظن أنه صلى الظهر ثم تبين أنه لم يصلها يعيد الظهر خاصة ، كذا ههنا ، والجامع أنه صلى العصر على ظن أنه ليس عليه إلا إعادة الظهر فأشبه الناسي ، والنسيان عذر مسقط للترتيب ، وجه الاستحسان : أن العصر مؤداة قبل وقتها حقيقة فالأصل : أن لا يجوز أداء العبادة المؤقتة قبل وقتها ، وإنما عرفنا جوازها بالنص مرتبة على ظهر جائزة ، فإذا لم تجز بقي الأمر فيها على الأصل .

وأما المختلف فيه فمنها أن يكون أداء الصلاتين بالجماعة عند أبي حنيفة ، حتى لو صلى العصر وحده أو الظهر وحده لا تجوز العصر قبل وقتها عنده ، وعند أبي يوسف ومحمد هذا ليس بشرط ، ويجوز تقديمها على وقتها .

وجه قولهما : أن جواز التقديم لصيانة الوقوف بعرفة ; لأن أداء العصر في وقتها يحول بينه وبين الوقوف ، وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين الوحدان ، والجماعة ، ولأبي حنيفة أن الجواز ثبت معدولا به عن الأصل ; لأنها عبادة مؤقتة ، والعبادات المؤقتة لا يجوز تقديمها على أوقاتها إلا أن جواز تقديم العصر على وقتها ثبت بالنص غير معقول المعنى فيراعى فيه عين ما ورد به النص ، والنص ورد بجواز أداء العصر كاملا مرتبا على ظهر كامل ، وهي المؤداة بالجماعة ، والمؤداة لا بجماعة لا تساويها في الفضيلة ، فلا يكون في معنى المنصوص عليه ، وقولهما : إن الجواز ثبت لصيانة الوقوف ممنوع ، ولا يجوز أن يكون معلولا به ; لأن الصلاة لا تنافي الوقوف ; لأنها في نفسها وقوف ، والشيء لا ينافي نفسه ، وإنما ثبت نصا غير معقول المعنى فيتبع فيه مورد النص ، وهو ما ذكرنا ، ولم يوجد ، ولو أدرك [ ص: 153 ] ركعة من كل واحدة من الصلاتين مع الإمام ، بأن أدرك ركعة من الظهر ثم قام الإمام ، ودخل في العصر فقام الرجل ، وقضى ما فاته من الظهر ، فلما فرغ من الظهر دخل في صلاة الإمام في العصر ، وأدرك شيئا من كل واحدة من الصلاتين مع الإمام ، جاز له تقديم العصر بلا خلاف ; لأنه أدرك فضيلة الجماعة فتقع العصر مرتبة على ظهر كامل ، ومنها أن يكون أداء الصلاتين بإمام ، وهو الخليفة أو نائبه في قول أبي حنيفة ، حتى لو صلى الظهر بجماعة لكن لا مع الإمام ، والعصر مع الإمام لم تجز العصر عنده ، وعندهما هذا ليس بشرط .

، والصحيح قول أبي حنيفة لما ذكرنا أن جواز التقديم ثبت معدولا به عن الأصل مرتبا على ظهر كامل ، وهي المؤداة بالجماعة مع الإمام أو نائبه ، فالمؤداة بجماعة من غير إمام أو نائبه لا تكون مثلها في الفضيلة ، فلا تكون في معنى مورد النص ، ولو أحدث الإمام بعد ما خطب فأمر رجلا بالصلاة جاز له أن يصلي بهم الصلاتين جميعا ، سواء شهد المأمور الخطبة أو لم يشهد بخلاف الجمعة ; لأن الخطبة ليست هناك من شرائط جواز الجمعة ، وههنا الخطبة ليست بشرط لجواز الجمع بين الصلاتين ، والفرق ما بينا ، فإن لم يأمر الإمام أحدا فتقدم واحد من عرض الناس ، وصلى بهم الصلاتين جميعا لم يجز الجمع في قول أبي حنيفة ; لأن الإمام أو نائبه شرط عنده ولم يوجد ، وعندهما يجوز ، وإن كان المتقدم رجلا من ذي سلطان كالقاضي ، وصاحب الشرط جاز ; لأنه نائب الإمام ، فإن كان الإمام سبقه الحدث في الظهر فاستخلف رجلا ، فإنه يصلي بهم الظهر والعصر ; لأنه قائم مقام الإمام ، فإن فرغ من العصر قبل أن يرجع الإمام ، فإن الإمام لا يصلي العصر إلا في وقتها لأنه لما استخلف صار كواحد من المؤتمين والمؤتم إذا صلى الظهر مع الإمام ولم يصل العصر معه لا يصلي العصر إلا في وقتها كذا هذا ، ومنها أن يكون محرما بالحج حال أداء الصلاتين جميعا حتى لو صلى الظهر بجماعة مع الإمام ، وهو حلال من أهل مكة ثم أحرم للحج لا يجوز له أن يصلي العصر إلا في وقتها ، كذا ذكر في نوادر الصلاة .

وروي عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول أنه يجوز ، وهو قول زفر ، والصحيح رواية النوادر ; لأن العصر شرعت مرتبة على ظهر كامل وهو ظهر المحرم وظهر الحلال لا يكون مثل ظهر المحرم في الفضيلة فلا يجوز ترتيب العصر على ظهر هي دون المنصوص عليه ، وعلى هذا إذا صلى الظهر بجماعة مع الإمام ، وهو محرم لكن بإحرام العمرة ثم أحرم بالحج ، لا يجزئه العصر إلا في وقتها ، وعند زفر يجوز كما في المسألة الأولى ، والصحيح قولنا ; لأن ظهر المحرم بالعمرة لا يكون مثل ظهر المحرم بالحج في الفضيلة ، فلا يكون أداء العصر في معنى مورد النص ، فلا تجوز إلا في وقتها ، ولو نفر الناس عن الإمام فصلى وحده الصلاتين أجزأه ، ودلت هذه المسألة على أن الشرط في الحقيقة هو الإمام عند أبي حنيفة لا الجماعة ، فإن الصلاتين جازتا للإمام ، ولا جماعة فتبنى المسائل عليه ، إذ هو أقرب إلى الصيغة ، ولا يلزمه على هذا ما إذا سبق الإمام الحدث في صلاة الظهر فاستخلف رجلا ، وذهب الإمام ليتوضأ فصلى الخليفة الظهر والعصر ، ثم جاء الإمام : أنه لا يجوز له أن يصلي العصر إلا في وقتها ; لأن عدم الجواز هناك ليس لعدم الجماعة بل لعدم الإمام ; لأنه خرج عن أن يكون إماما فصار كواحد من المؤتمين ، أو يقال : الجماعة شرط الجمع عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لكن في حق غير الإمام لا في حق الإمام ، والله تعالى الموفق ، فإن مات الإمام فصلى بالناس خليفته جاز ; لأن موت الإمام لا يوجب بطلان ولاية خلفائه كولاية السلطنة ، والقضاء .

فإذا فرغ الإمام من الصلاة راح إلى الموقف عقيب الصلاة ، وراح الناس معه ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم راح إليه عقيب الصلاة ، ويرفع الأيدي بسطا يستقبل كما يستقبل الداعي بيده ووجهه ، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بعرفات باسطا يديه في نحره كاستطعام المسكين } فيقف الإمام ، والناس إلى غروب الشمس يكبرون ويهللون ، ويحمدون الله تعالى ، ويثنون عليه ، ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ويسألون الله تعالى حوائجهم ، ويتضرعون إليه بالدعاء ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { : أفضل الدعاء دعاء أهل عرفة ، وأفضل ما قلت وقالت الأنبياء قبلي عشية يوم عرفة : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو حي لا يموت ، بيده الخير ، وهو على كل شيء قدير } .

وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن أكثر دعائي ودعاء [ ص: 154 ] الأنبياء قبل عشية يوم عرفة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير ، اللهم اجعل في قلبي نورا ، وفي سمعي نورا ، وفي بصري نورا ، اللهم اشرح لي صدري ، ويسر لي أمري ، وأعوذ بك من وسواس الصدور ، وسيئات الأمور ، وفتنة الفقر ، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل ، وشر ما تهب به الرياح } .

وليس عن أصحابنا فيه دعاء موقت ; لأن الإنسان يدعو بما شاء ، ولأن توقيت الدعاء يذهب بالرقة ; لأنه يجري على لسانه من غير قصده فيبعد عن الإجابة ، ويلبي في موقفه ساعة بعد ساعة ، ولا يقطع التلبية ، وهذا قول عامة العلماء .

وقال مالك : إذا وقف بعرفة يقطع التلبية ، والصحيح قول العامة لما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبى حتى رمى جمرة العقبة } .

وروي عن { عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه لبى عشية يوم عرفة فقيل له : ليس هذا موضع التلبية فقال : أجهل الناس أم نسوا فوالذي بعث محمدا بالحق لقد حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخللها أو يخلطها بتكبير وتهليل } ، ولأن التلبية ذكر يؤتى به في ابتداء هذه العبادة ، وتكرر في أثنائها فأشبه التكبير في باب الصلاة ، وكان ينبغي أن يؤتى به إلى آخر أركان هذه العبادة كالتكبير إلا أنا تركنا القياس فيما بعد رمي جمرة العقبة ، أو ما يقوم مقام الرمي في القطع بالإجماع ، فبقي الأمر فيما قبل ذلك على أصل القياس ، وسواء كان مفردا بالحج أو قارنا أو متمتعا ، بخلاف المفرد بالعمرة أنه يقطع التلبية إذا استلم الحجر حين يأخذ في طواف العمرة ; لأن الطواف ركن في العمرة فأشبه طواف الزيارة في الحج ، وهناك يقطع التلبية قبل الطواف كذا ههنا .

والأفضل أن يكون في الموقف مستقبل القبلة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { خير المجالس ما استقبل به القبلة } .

وروي عن جابر رضي الله عنه أنه قال : { ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فاستقبل به القبلة فلم يزل واقفا ، حتى غربت الشمس } ، فإن انحرف قليلا لم يضره ; لأن الوقوف ليس بصلاة .

وكذا لو وقف ، وهو محدث أو جنب لم يضره لما مر أن الوقوف عبادة لا يتعلق بالبيت ، فلا يشترط له الطهارة كرمي الجمار ، والأفضل للإمام أن يقف على راحلته ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف راكبا ، وكلما قرب في وقوفه من الإمام فهو أفضل ; لأن الإمام يعلم الناس ، ويدعو فكلما كان أقرب كان أمكن من السماع ، وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة ، فإنه يكره الوقوف فيه لما ذكرنا في بيان مكان الوقوف فيقف إلى غروب الشمس فإذا غربت الشمس دفع الإمام ، والناس معه ، ولا يدفع أحد قبل غروب الشمس لا الإمام ، ولا غيره لما مر أن الوقوف إلى غروب الشمس واجب .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه خطب عشية عرفة فقال : أما بعد ، فإن هذا يوم الحج الأكبر ، وإن الجاهلية كانت تدفع من ههنا ، والشمس على رءوس الجبال مثل العمائم على رءوس الرجال فخالفوهم ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالدفع منه بعد الغروب } ، فإن خاف بعض القوم الزحام ، أو كانت به علة فيقدم قبل الإمام قليلا ، ولم يجاوز حد عرفة فلا بأس به ; لأنه إذا لم يجاوز حد عرفة ، فهو في مكان الوقوف .

وقد دفع الضرر عن نفسه ، وإن ثبت على مكانه حتى يدفع الإمام ، فهو أفضل لقوله تعالى : { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } ، وينبغي للناس أن يدفعوا ، وعليهم السكينة والوقار حتى يأتوا مزدلفة لما روي : { أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض من عرفة ، وعليه السكينة حتى روي أنه كان يكبح ناقته }

وروي أنه { لما دفع من عرفات فقال : أيها الناس إن البر ليس في إيجاف الخيل ، ولا في أبضاع الإبل ، بل على هينتكم } ، ولأن هذا مشي إلى الصلاة ; لأنهم يأتون مزدلفة ليصلوا بها المغرب والعشاء .

وقد قال النبي : صلى الله عليه وسلم { إذا أتيتم الصلاة فأتوها ، وأنتم تمشون ، ولا تأتوها وأنتم تسعون ، وعليكم السكينة والوقار } ، فإن أبطأ الإمام بالدفع ، وتبين للناس الليل دفعوا قبل الإمام لأنه إذا تبين الليل فقد جاء أوان الدفع ، والإمام بالتأخير ترك السنة فلا ينبغي لهم أن يتركوها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث