الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل بيان سنن الحج وبيان الترتيب في أفعاله

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ويأخذ حصى الجمار من مزدلفة أو من الطريق لما روي : { أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابن عباس رضي الله عنهما أن يأخذ الحصى من مزدلفة } ، وعليه فعل المسلمين ، وهو أحد نوعي الإجماع .

وإن رمى بحصاة أخذها من الجمرة أجزأه .

وقد أساء ، وقال مالك : لا تجزئه ; لأنها حصى مستعملة ، ولنا قوله : صلى الله عليه وسلم { ارم ، ولا حرج } مطلقا ، وتعليل مالك لا يستقيم على أصله ; لأن الماء المستعمل عنده طاهر وطهور حتى يجوز الوضوء به ، فالحجارة المستعملة أولى ، وإنما كره ذلك عندنا لما روي أنه سئل ابن عباس فقيل له : إن من عهد إبراهيم إلى يومنا هذا في الجاهلية والإسلام يرمي الناس ، وليس ههنا إلا هذا القدر فقال : كل حصاة تقبل فإنها ترفع ، وما لا يقبل فإنه يبقى .

ومثل هذا لا يعرف إلا سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكره أن يرمي بحصاة لم تقبل فيأتي منى فيرمي جمرة العقبة سبع حصيات ، لما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتى منى لم يعرج على شيء حتى رمى جمرة العقبة سبع حصيات } يقطع التلبية مع أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة ، لما روى أسامة بن زيد ، والفضل بن عباس : { أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها جمرة العقبة } ، وكان أسامة رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات إلى مزدلفة ، والفضل كان رديفه من مزدلفة إلى منى .

وروي أن ابن عباس سئل عن ذلك فقال : أخبرني أخي الفضل { أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها جمرة العقبة } ، وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسواء كان في الحج الصحيح أو في الحج الفاسد أنه يقطع التلبية مع أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة ; لأن أعمالها لا تختلف ، فلا يختلف وقت قطع التلبية ، وسواء كان مفردا بالحج أو قارنا أو متمتعا ; لأن القارن والمتمتع كل واحد منهما محرم بالحج ، فكان كالمفرد به ، ولا يقطع القارن التلبية إذا أخذ في طواف العمرة ; لأنه محرم بإحرام الحج ، وإنما يقطع عند ما يقطع المفرد بالحجة ; لأنه بعد إتيانه بالعمرة كالمفرد بالحج ، فأما المحرم بالعمرة المفردة فإنه يقطع التلبية إذا استلم الحجر ، وأخذ في طواف العمرة ، والفرق بين المحرم بالحج ، وبين المحرم بالعمرة المفردة ذكرناه فيما تقدم ، وقال مالك في المفرد بالعمرة : يقطع التلبية إذا رأى البيت ، وهذا غير سديد ; لأن قطع التلبية يتعلق بفعل هو نسك كالرمي في حق المحرم بالحج ، ورؤية البيت ليس بنسك ، فلا يقطع عندنا ، فأما استلام الحجر فنسك كالرمي فيقطع عنده لا عند الرؤية .

قال محمد : إن فائت الحج إذا تحلل بالعمرة يقطع التلبية حيث يأخذ في الطواف كذا هذا ، والقارن إذا فاته الحج يقطع التلبية في الطواف ، والثاني الذي يتحلل به من حجته ; لأن العمرة [ ص: 157 ] ما فاتته ، إذ ليس لها وقت معين فيأتي بها فيطوف ، ويسعى كما كان يفعل لو لم يفته الحج ، وإنما فاته الحج فيفعل ما يفعله فائت الحج ، وهو أن يتحلل بأفعال العمرة ، وهي الطواف والسعي كالمقيم فيقطع التلبية إذا أخذ في طواف الحج ، والمحصر يقطع التلبية إذا ذبح عنه هديه ; لأنه إذا ذبح هديه فقد تحلل ، ولا تلبية بعد التحلل ، فإن حلق الحاج قبل أن يرمي جمرة العقبة يقطع التلبية ; لأنه بالحلق تحلل من الإحرام لما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمن حلق قبل الرمي { : ارم ، ولا حرج } فثبت أن التحلل من الإحرام يحصل بالحلق قبل الرمي ، ولا تلبية بعد التحلل ، فإن زار البيت قبل أن يرمي ، ويحلق ويذبح ، قطع التلبية في قول أبي حنيفة .

وروي عن أبي يوسف أنه يلبي ما لم يحلق أو تزول الشمس من يوم النحر ، وعن محمد ثلاث روايات في رواية مثل قول أبي حنيفة

وروى هشام عنه ، وروى ابن سماعة عنه : أن من لم يرم قطع التلبية إذا غربت الشمس من يوم النحر ، وروى هشام عنه رواية أخرى أنه يقطع التلبية إذا مضت أيام النحر ، فظاهر روايته مع أبي حنيفة وجه قول أبي يوسف : أنه ، وإن طاف فإحرامه قائم لم يتحلل بهذا الطواف إذا لم يحلق ، بدليل أنه لا يباح له الطيب واللبس ، فالتحق الطواف بالعدم ، وصار كأنه لم يطف فلا يقطع التلبية إلا إذا زالت الشمس ; لأن من أصله أن هذا الرمي مؤقت بالزوال ، فإذا زالت الشمس يفوت وقته ، ويفعل بعده قضاء ، فصار فواته عن وقته بمنزلة فعله في وقته ، وعند فعله في وقته يقطع التلبية .

كذا عند فواته عن وقته ، بخلاف ما إذا حلق قبل الرمي ; لأنه تحلل بالحلق ، وخرج عن إحرامه حتى يباح له الطيب واللبس لذلك افترقا ، ولهما أن الطواف ، وإن كان قبل الرمي والحلق والذبح ، فقد وقع التحلل به في حق النساء ، بدليل أنه لو جامع بعده لا يلزمه بدنة ، فكان التحلل بالطواف كالتحلل بالحلق ، فيقطع التلبية به كما يقطع بالحلق .

وقد خرج الجواب عن قوله : إن إحرامه قائم بعد الطواف ; لأنا نقول : نعم لكن في حق الطيب واللبس ، لا في حق النساء فلم يكن قائما مطلقا ، والتلبية لم تشرع إلا في الإحرام المطلق ، ولو ذبح قبل الرمي يقطع التلبية في قول أبي حنيفة إذا كان قارنا أو متمتعا ، وهو إحدى الروايتين عن محمد ، وإن كان مفردا بالحج لا يقطع ; لأن الذبح من القارن والمتمتع محلل كالحلق ، ولا تلبية بعد التحلل ، فأما المفرد فتحلله لا يقف على ذبحه .

ألا ترى أنه ليس بواجب عليه ، فلا يقطع عنده التلبية ، وروى ابن سماعة عن محمد أنه لا يقطع التلبية ، والتحلل لا يقع بالذبح على هذه الرواية عنده ، وإنما يقع بالرمي أو بالحلق ،ويرمي سبع حصيات مثل حصى الخزف ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه قال لعبد الله بن عباس : رضي الله عنه ائتني بسبع حصيات مثل حصى الخزف فأتاه بهن فجعل يقلبهن بيده ، ويقول : مثلهن بمثلهن لا تغلوا فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين } .

وقد قالوا : لا يزيد على ذلك لما روي عن معاذ : رضي الله عنه أنه قال { خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ، وعلمنا المناسك ، وقال : ارموا سبع حصيات مثل حصى الخزف ، ووضع إحدى سبابتيه على الأخرى كأنه يخذف } ، ولأنه لو كان أكبر من ذلك ، فلا يؤمن أن يصيب غيره لازدحام الناس فيتأذى به ، ويرمي من بطن الوادي ، ويكبر مع كل حصاة يرميها ، لما روي عن عبد الله بن مسعود : رضي الله عنه أنه رمى جمرة العقبة سبع حصيات من بطن الوادي يكبر مع كل حصاة يرميها فقيل له : إن ناسا يرمون من فوقها فقال عبد الله : رضي الله عنه هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة .

وكذا روي عن ابن عمر رضي الله عنهما { أنه كان يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات يتبع كل حصاة بتكبيرة ، ويقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك } ، وعن ابنه سالم بن عبد الله أنه استبطن الوادي فرمى الجمرة سبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر الله أكبر ، اللهم اجعله حجا مبرورا ، وذنبا مغفورا ، وعملا مشكورا ، وقال : حدثني أبي { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرمي جمرة العقبة من هذا المكان ، ويقول كلما رمى بحصاة مثل ما قلت } ، وإن رمى من فوق العقبة أجزأه ، لكن السنة ما ذكرنا .

وكذا لو جعل بدل التكبير تسبيحا أو تهليلا جاز ، ولا يكون مسيئا .

وقد قالوا إذا رمى للعقبة يجعل الكعبة عن يساره ، ومنى عن يمينه ، ويقوم فيها حيث يرى موقع حصاه ، لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه لما انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل الكعبة عن يساره ، ومنى عن يمينه ، وبأي شيء رمى أجزأه حجرا كان أو طينا أو غيرهما مما هو من جنس الأرض ، وهذا عندنا [ ص: 158 ]

وقال الشافعي : لا يجوز إلا بالحجر ، وجه قوله أن هذا أمر يعرف بالتوقيف ، والتوقيف ورد بالحصى ، والحصى هي الأحجار الصغار ، ولنا ما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { ارم ، ولا حرج } .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { أول نسكنا في يومنا هذا الرمي ثم الذبح ثم الحلق } .

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من رمى وذبح وحلق فقد حل له كل شيء إلا النساء } مطلقا عن صفة الرمي ، والرمي بالحصى من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم محمول على الأفضلية لا الجواز توفيقا بين الدلائل ، لما صح من مذهب أصحابنا أن المطلق لا يحمل على المقيد بل يجري المطلق على إطلاقه ، والمقيد على تقييده ما أمكن ، وههنا أمكن بأن يحمل المطلق على أصل الجواز ، والمقيد على الأفضلية ، ولا يقف عند هذه الجمرة للدعاء بل ينصرف إلى رحله ، والأصل أن كل رمي ليس بعده رمي في ذلك اليوم لا يقف عنده ، وكل رمي بعده رمي في ذلك اليوم يقف عنده ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف عند جمرة العقبة ، ووقف عند الجمرتين ثم الرمي ماشيا أفضل أو راكبا ، فقد روي عن أبي يوسف أنه فصل في ذلك تفصيلا ، فإنه حكى أن إبراهيم بن الجراح دخل على أبي يوسف ، وهو مريض في المرض الذي مات فيه فسأله أبو يوسف فقال : أيهما أفضل الرمي ماشيا أو راكبا ؟ فقال : ماشيا فقال : أخطأت ثم قال : راكبا فقال : أخطأت ، وقال : كل رمي بعده رمي فالماشي أفضل ، وكل رمي لا رمي بعده فالراكب أفضل قال : فخرجت من عنده فسمعت الناعي بموته قبل أن أبلغ الباب ، ذكرنا هذه الحكاية ليعلم أنه بلغ حرصه في التعليم حتى لم يسكت عنه في رمقه فيقتدى به في التحريض على التعليم ، وهذا لما ذكرنا أن كل رمي بعده رمي فالسنة فيه هو الوقوف للدعاء ، والماشي أمكن للوقوف والدعاء .

وكل رمي لا رمي بعده فالسنة فيه هو الانصراف لا الوقوف ، والراكب أمكن من الانصراف ، فإن قيل أليس أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه رمى راكبا ، وقال : صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا } فالجواب : أن ذلك محمول على رمي لا رمي بعده أو على التعليم ليراه الناس فيتعلموا منه مناسك الحج ، فإن رمى إحدى الجمار بسبع حصيات جميعا دفعة واحدة فهي عن واحدة ، ويرمي ستة أخرى ; لأن التوقيف ورد بتفريق الرميات فوجب اعتباره ، وهذا بخلاف الاستنجاء أنه إذا استنجى بحجر واحد وأنقاه كفاه ، ولا يراعى فيه العدد عندنا ; لأن وجوب الاستنجاء ثبت معقولا بمعنى التطهير فإذا حصلت الطهارة بواحد اكتفى به ، فأما الرمي فإنما وجب تعبدا محضا فيراعى فيه مورد التعبد ، وأنه ورد بالتفريق فيقتصر عليه ، فإن رمى أكثر من سبع حصيات لم تضره الزيادة ; لأنه أتى بالواجب وزيادة ، والسنة أن يرمي بعد طلوع الشمس من يوم النحر قبل الزوال لما روى جابر رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرم يوم النحر ضحى ، ورمى بعد ذلك بعد الزوال } ، ولو رمى قبل طلوع الشمس بعد انفجار الصبح أجزأه خلافا لسفيان .

والمسألة ذكرناها فيما تقدم ، ولا يرمي يومئذ غيرها لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرم يوم النحر إلا جمرة العقبة ، } فإذا فرغ من هذا الرمي لا يقف ، وينصرف إلى رحله ، فإن كان منفردا بالحج يحلق أو يقصر ، والحلق أفضل لما ذكرنا فيما تقدم ، ولا ذبح عليه ، وإن كان قارنا أو متمتعا يجب عليه أن يذبح ويحلق ويقدم الذبح على الحلق لقوله تعالى : { ليذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم } رتب قضاء التفث ، وهو الحلق على الذبح .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { أول نسكنا في يومنا هذا الرمي ثم الذبح ثم الحلق } .

وروي عنه صلى الله عليه وسلم { أنه رمى ثم ذبح ثم دعا بالحلاق } ، فإن حلق قبل الذبح من غير إحصار فعليه لحلقه قبل الذبح دم في قول أبي حنيفة ، وقال أبو يوسف ، ومحمد ، وجماعة من أهل العلم : أنه لا شيء عليه ، وأجمعوا على أن المحصر إذا حلق قبل الذبح أنه تجب عليه الفدية ، احتج من خالفه بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه سئل عن رجل حلق قبل أن يذبح فقال : اذبح ، ولا حرج } ، ولو كان الترتيب واجبا لكان في تركه حرج ، ولأبي حنيفة الاستدلال بالمحصر إذا حلق قبل الذبح لأذى في رأسه أنه تلزمه الفدية بالنص ، فالذي يحلق رأسه بغير أذى به أولى ، ولهذا قال أبو حنيفة بزيادة التغليظ في حق من حلق رأسه قبل الذبح بغير أذى حيث قال : لا يجزئه غير الدم ، وصاحب الأذى مخير بين الدم والطعام والصيام كما خيره [ ص: 159 ] الله تعالى ، وهذا هو المعقول ; لأن الضرورة سبب لتخفيف الحكم وتيسيره ، فالمعقول أن يجب في حال الاختيار بذلك السبب زيادة غلظ لم يكن في حال العذر ، فأما أن يسقط من الأصل في غير حالة العذر ويجب في حالة العذر فممتنع ، ولا حجة لهم في الحديث ; لأن قوله : لا حرج المراد منه الإثم لا الكفارة ، وليس من ضرورة انتفاء الإثم انتفاء الكفارة .

ألا ترى أن الكفارة تجب على من حلق رأسه لأذى به ، ولا إثم عليه .

وكذا يجب على الخاطئ فإذا حلق الحاج أو قصر حل له كل شيء حظر عليه الإحرام إلا النساء عند عامة العلماء لما ذكرنا فيما تقدم ، ثم يزور البيت من يومه ذلك أو من الغد أو بعد الغد ، ولا يؤخرها عنها ، وأفضلها أولها ، لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف في أول أيام النحر } فيطوف أسبوعا ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا طاف ، وعليه عمل المسلمين ، ولا يرمل في هذا الطواف ; لأنه لا سعي عقيبه ; لأنه قد طاف طواف اللقاء ، وسعى عقيبه حتى لو لم يكن طاف طواف اللقاء ، ولا سعي فإنه يرمل في طواف الزيارة ، ويسعى بين الصفا ، والمروة عقيب طواف الزيارة ، ولو أخره عن أيام النحر فعليه دم في قول أبي حنيفة ، وعند أبي يوسف ، ومحمد لا شيء عليه ، والمسألة قد مضت ، فإذا طاف طواف الزيارة كله أو أكثره حل له النساء أيضا ; لأنه قد خرج من العبادة ، وما بقي عليه شيء من أركانها ، والأصل أن في الحج إحلالين : الإحلال الأول بالحلق أو بالتقصير ويحل به كل شيء إلا النساء ، والإحلال الثاني بطواف الزيارة ، ويحل به النساء أيضا ثم يرجع إلى منى ، ولا يبيت بمكة ، ولا في الطريق ، هو السنة ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا فعل ، ويكره أن يبيت في غير منى في أيام منى ، فإن فعل لا شيء عليه ، ويكون مسيئا ; لأن البيتوتة بها ليست بواجبة بل هي سنة ، وعند الشافعي يجب عليه الدم ; لأنها واجبة عنده ، واحتج بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله على الوجوب في الأصل ، ولنا ما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص للعباس أن يبيت بمكة للسقاية } ، ولو كان ذلك واجبا لم يكن العباس يترك الواجب لأجل السقاية ، ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرخص له في ذلك ، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم محمول على السنة توفيقا بين الدليلين ، وإذا بات بمنى فإذا كان من الغد ، وهو اليوم الأول من أيام التشريق والثاني من أيام الرمي ، فإنه يرمي الجمار الثلاث بعد الزوال في ثلاث مواضع : أحدها المسمى بالجمرة الأولى ، وهي التي تلي مسجد الخيف ، وهو مسجد إبراهيم عليه الصلاة والسلام فيرمي عندها سبع حصيات مثل حصى الخزف ، يكبر مع كل حصاة ، فإذا فرغ منها يقف عندها فيكبر ، ويهلل ، ويحمد الله تعالى ، ويثني عليه ، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويسأل الله تعالى حوائجه ، ثم يأتي الجمرة الوسطى فيفعل بها مثل ما فعل بالأولى ، ويرفع يديه عند الجمرتين بسطا ثم يأتي جمرة العقبة فيفعل مثل ما فعل بالجمرتين الأولتين ، إلا أنه لا يقف للدعاء بعد هذه الجمرة ، بل ينصرف إلى رحله لما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمار الثلاث في أيام التشريق ، وابتدأ بالتي تلي مسجد الخيف ، ووقف عند الجمرتين ، ولم يقف عند الثالثة } .

وأما رفع اليدين فلقول النبي : صلى الله عليه وسلم { لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن ، وذكر من جملتها ، وعند المقامين عند الجمرتين ، } فإذا كان اليوم الثاني من أيام التشريق ، وهو اليوم الثالث من أيام الرمي رمى الجمار الثلاث بعد الزوال ، ففعل مثل ما فعل أمس ، فإذا رمى فإن أراد أن ينفر من منى ، ويدخل مكة نفر قبل غروب الشمس ، ولا شيء عليه لقوله تعالى { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } ، وإن أقام ولم ينفر حتى غربت الشمس ، يكره له أن ينفر حتى تطلع الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق ، وهو اليوم الرابع من أيام الرمي ، ويرمي الجمار الثلاث ، ولو نفر قبل طلوع الفجر لا شيء عليه .

وقد أساء ، أما الجواز فلأنه نفر في وقت لم يجب فيه الرمي بعد ، بدليل أنه لو رمى فيه عن اليوم الرابع لم يجز ، فجاز فيه النفر كما لو رمى الجمار في الأيام كلها ثم نفر ، وأما الإساءة فلأنه ترك السنة فإذا طلع الفجر من اليوم الثالث من أيام التشريق رمى الجمار الثلاث ثم ينفر ، فإن نفر قبل الرمي فعليه دم ; لأنه ترك الواجب ، وإذا أراد أن ينفر في النفر الأول أو في النفر الثاني ، فإنه يحمل ثقله معه ، ويكره تقديمه لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { المرء من حيث رحله } .

وروي : { المرء من حيث أهله } ، ولأنه لو فعل ذلك يشتغل قلبه بذلك ، ولا يخلو من ضرر .

وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يضرب على ذلك .

وحكي عن إبراهيم النخعي أن عمر رضي الله عنه [ ص: 160 ] إنما كان يضرب على تقديم الثقل مخافة السرقة ، ثم يأتي الأبطح ، ويسمى المحصب ، وهو موضع بين منى وبين مكة فينزل به ساعة ، فإنه سنة عندنا لما روي عن نافع عن عبد الله بن عمر : رضي الله عنهم { أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان نزلوا بالأبطح } .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث