الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وأما بيان ما يتحلل به فالمحصر نوعان : .

نوع لا يتحلل إلا بالهدي ، ونوع يتحلل بغير الهدي .

أما الذي لا يتحلل إلا بالهدي : فكل من منع من المضي في موجب الإحرام حقيقة ، أو منع منه شرعا حقا لله تعالى لا لحق العبد على ما ذكرنا ، فهذا لا يتحلل [ ص: 178 ] إلا بالهدي وهو : أن يبعث بالهدي أو بثمنه ليشتري به هديا فيذبح عنه ، وما لم يذبح لا يحل .

وهذا قول عامة العلماء سواء كان شرط عند الإحرام الإحلال بغير ذبح عند الإحصار ، أو لم يشترط .

وقال بعض الناس : المحصر يحل بغير هدي ، إلا إذا كان معه هدي فيذبحه .

ويحل وقيل : إنه قول مالك .

وقال بعضهم : إن كان لم يشترط عند الإحرام الإحلال عند الإحصار من غير هدي لا يحل إلا بالهدي .

وإن كان شرط عند الإحرام الإحلال عند الإحصار من غير هدي لا يحل إلا بالهدي احتج من قال بالتحلل من غير هدي بما روي : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل عام الحديبية عن إحصاره بغير هدي } ; لأن الهدي الذي نحره كان هديا ساقه لعمرته لا لإحصاره ، فنحر هديه على النية الأولى ، وحل من إحصاره بغير دم ، فدل أن المحصر يحل بغير هدي يحقق ما قلنا : إنه ليس في حديث صلح الحديبية أنه نحر دمين ، وإنما نحر دما واحدا .

ولو كان المحصر لا يحل إلا بدم لنحر دمين ، وأنه غير منقول .

ولنا قوله تعالى { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله } معناه : حتى يبلغ الهدي محله فيذبح ، نهى عز وجل عن حلق الرأس قبل ذبح الهدي في محله ، وهو الحرم من غير فصل بين ما إذا كان معه هدي وقت الإحصار أم لا ، شرط المحصر عند الإحرام الإحلال عند الإحصار أو لم يشرط ، فيجري على إطلاقه ، ولأن شرع التحلل ثبت بطريق الرخصة لما فيه من فسخ الإحرام والخروج منه قبل أوانه ، فكان ثبوته بطريق الضرورة ، والضرورة تندفع بالتحلل بالهدي ، فلا يثبت التحلل بدونه .

وأما الحديث فليس فيه ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حل عام الحديبية عن إحصاره بغير هدي ، إذ لا يتوهم على النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون حل من إحصاره بغير هدي .

والله تعالى أمر المحصر أن لا يحل حتى ينحر هديه بنص الكتاب العزيز .

ولكن وجه ذلك - والله أعلم وهو معنى المروي في حديث صلح الحديبية - أنه نحر دما واحدا أن الهدي الذي كان ساقه النبي صلى الله عليه وسلم كان هدي متعة أو قران ، فلما منع عن البيت سقط عنه دم القران فجاز له أن يجعله من دم الإحصار فإن قيل : كيف قلتم : إن النبي صلى الله عليه وسلم صرف الهدي عن سبيله وأنتم تزعمون أن من باع هدية التطوع فهو مسيء لما أنه صرفه عن سبيله ، فالجواب : أنه لا مشابهة بين الفصلين ; لأن الذي باعه صرفه عن سبيل التقرب به إلى الله تعالى رأسا فأما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصرف الهدي عن سبيل التقرب أصلا ورأسا ، بل صرفه إلى ما هو أفضل : وهو الواجب ، وهو دم الإحصار ومما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الهدي لإحصاره ما روي أنه لم يحلق حتى نحر هديه .

وقال : { أيها الناس انحروا وحلوا } والله عز وجل أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث