الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


حقوق المسلم :

هي أن تسلم عليه إذا لقيته ، وتجيبه إذا دعاك ، وتشمته إذا عطس ، وتعوده إذا مرض ، وتشهد جنازته إذا مات ، وتبر قسمه إذا أقسم عليك ، وتنصح له إذا استنصحك ، وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب عنك . ومنها أن تحب له ما تحب لنفسك ، وتكره له ما تكره لنفسك ، قال - صلى الله عليه وسلم - : [ ص: 141 ] " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمى والسهر " وعنه - صلى الله عليه وسلم - : " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " .

ومنها : أن لا يؤذي أحدا من المسلمين بفعل ولا قول ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمؤمن من أمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم ، والمهاجر من هجر السوء واجتنبه " وعنه - صلى الله عليه وسلم - : " لا يحل لمسلم أن يروع مسلما " .

ومنها : أن يتواضع لكل مسلم ولا يتكبر عليه ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد " .

ومنها : أن لا يسمع بلاغات الناس بعضهم على بعض ولا يبلغ بعضهم ما يسمع من بعض ، ففي الحديث : " لا يدخل الجنة قتات " .

ومنها : أن لا يزيد في الهجر لمن يعرفه على ثلاثة أيام مهما غضب عليه ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام " . وقالت " عائشة " رضي الله عنها : " ما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله " . وفي الحديث : " ما زاد الله رجلا بعفو إلا عزا " .

ومنها : أن يحسن إلى كل من قدر عليه منهم ما استطاع لا يميز بين الأهل وغير الأهل ، وفي أثر : " اصنع المعروف في أهله وفي غيره أهله ، فإن أصبت فهو أهله ، وإن لم تصب أهله فأنت من أهله " وفي آخر : " رأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس واصطناع المعروف إلى كل بر وفاجر " ، ولم يكن يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أقبل عليه بوجهه ثم لم يصرفه عنه حتى يفرغ من كلامه .

ومنها : أن لا يدخل على أحد منهم إلا بإذنه بأن يستأذن ثلاثا فإن لم يؤذن له انصرف .

ومنها : أن يخالق الجميع بخلق حسن ويعامله بحسب طريقته .

[ ص: 142 ] ومنها : أن يوقر المشايخ ويرحم الصبيان ، وفي الحديث : " ليس منا من لم يوقر كبيرنا ولم يرحم صغيرنا " والتلطف بالصبيان من عادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان إذا قدم من سفره تلقي بالصبيان ثم يأمر بهم فيرفعون إليه فيرفع منهم بين يديه ومن خلفه ، ويأمر أصحابه أن يحملوا بعضهم ، وكان يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة وليسميه فيأخذه فيضعه في حجره ، فربما بال الصبي ثم يغسل ثوبه - صلى الله عليه وسلم - بعد .

ومنها : أن يكون مع كافة الخلق مستبشرا طلق الوجه رقيقا ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " أتدرون على من حرمت النار " قالوا : " الله ورسوله أعلم " ، قال : " على اللين الهين السهل القريب " وقال - صلى الله عليه وسلم - : " اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة " .

ومنها أن لا يعد مسلما بوعد إلا ويفي به ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " العدة عطية " وقال : " العدة دين " وقال : " ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى : من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان " .

ومنها : أن ينصف الناس من نفسه ولا يأتي إليهم إلا بما يحب أن يؤتى إليه ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " يا أبا الدرداء أحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمنا وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما " .

ومنها : أن يزيد في توقير من تدل هيئته وثيابه على علو منزلته فينزل الناس منازلهم .

ومنها : أن يصلح ذات البين بين المسلمين مهما وجد إليه سبيلا ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " أفضل الصدقة إصلاح ذات البين " وفي الحديث : " ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا " وهذا يدل على وجوب الإصلاح بين الناس لأن ترك الكذب واجب ، ولا يسقط الواجب إلا بواجب آكد منه ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : " كل الكذب مكتوب إلا أن يكذب الرجل في الحرب فإن الحرب خدعة ، أو يكذب بين اثنين فيصلح بينهما ، أو يكذب لامرأته ليرضيها " .

ومنها : أن يستر عورات المسلمين كلهم ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " من ستر على مسلم ستره الله تعالى [ ص: 143 ] في الدنيا والآخرة " وقال - صلى الله عليه وسلم - : " لا يرى المؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه إلا دخل الجنة " وقال - صلى الله عليه وسلم - : " يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تغتابوا الناس ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته ، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف بيته " . وروي عن بعض الخلفاء أنه كان يعس من الليل فسمع صوت رجل في بيت يتغنى ، فتسور عليه فوجد عنده امرأة وعنده خمر ، فقال : " يا عدو الله أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته " ؟ فقال : " وأنت أيها الأمير لا تعجل فإن كنت عصيت الله واحدة فقد عصيت الله في ثلاثا " قال الله تعالى : ( ولا تجسسوا ) [ الحجرات : 12 ] وقد تجسست ، وقال الله تعالى : ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) [ البقرة : 189 ] وقد تسورت علي ، وقد قال الله تعالى : ( لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ) [ النور : 27 ] الآية ، وقد دخلت بيتي بغير إذن ولا سلام ، فقال الأمير : " هل عندك من خير إن عفوت عنك " ؟ قال : " نعم والله لئن عفوت عني لا أعود إلى مثلها أبدا " ، فعفا عنه وخرج وتركه . وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : " كل أمتي معافى إلا المجاهرين ، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل السوء سرا ثم يخبر به " وقال - صلى الله عليه وسلم - : " من أسمع خبر قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك يوم القيامة " .

ومنها : أن يتقي مواضع التهم صيانة لقلوب الناس عن سوء الظن ولألسنتهم عن الغيبة ، فإنهم إذا عصوا الله بذكره وكان هو السبب فيه كان شريكا ، قال الله تعالى : ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ) [ الأنعام : 108 ] وقال - صلى الله عليه وسلم - : " كيف ترون من سب أبويه " فقالوا : " وهل من أحد يسب أبويه " ؟ فقال : " نعم يسب أبوي غيره فيسبون أبويه " . وقال " عمر " رضي الله عنه : " من أقام نفسه مقام التهم فلا يلومن من أساء به الظن " .

ومنها : أن يشفع لكل من له حاجة من المسلمين إلى من له عنده منزلة ويسعى في قضاء حاجته بما يقدر ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " اشفعوا تؤجروا " .

ومنها : أن يبدأ من يلقى بالسلام قبل الكلام ، ويصافحه عند السلام قال الله تعالى : ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) [ النساء : 86 ] وقال - صلى الله عليه وسلم - : " والذي نفسي بيده [ ص: 144 ] لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلكم على عمل إذا عملتموه تحاببتم " ، قالوا : بلى يا رسول الله ، قال " أفشوا السلام بينكم " وعنه - صلى الله عليه وسلم - : " يسلم الراكب على الماشي وإذا سلم عن القوم واحد أجزأ عنهم " . وكان " أنس " رضي الله عنه يمر على الصبيان فيسلم عليهم ، ويروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه فعل ذلك ، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - مر في المسجد يوما وعصبة من الناس قعود فأومأ بيده بالسلام ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : " إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلم فإن بدا له أن يجلس فليجلس ، ثم إذا قام فليسلم فليست الأولى بأحق من الأخيرة " . وروي أن من تمام التحية المصافحة . وقال " الحسن " : " المصافحة تزيد في الود " . ولا بأس بقبلة يد المعظم في الدين تبركا به وتوقيرا له ، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - أذن في تقبيل يده ورأسه . والانحناء عند السلام منهي عنه . والالتزام والتقبيل قد ورد عند القدوم من السفر . والأخذ بالركاب في توقير العلماء ورد به الأثر ، فعل ذلك " ابن عباس " بركاب " زيد بن ثابت " . وقال - صلى الله عليه وسلم - " لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن توسعوا وتفسحوا " . ويستحب للداخل إذا سلم ولم يجد مجلسا أن لا ينصرف بل يقعد وراء الصف . كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسا في المسجد إذ أقبل ثلاثة نفر : فأقبل اثنان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأما أحدهما فوجد فرجة فجلس فيها ، وأما الثاني فجلس خلفهم ، وأما الآخر فأدبر ذاهبا ، فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهم " ألا أخبركم عن النفر الثلاثة : أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله ، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه ، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه " . وسلمت " أم هانئ " على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " من هذه " فقيل له : " أم هانئ " فقال عليه السلام : " مرحبا يا أم هانئ " .

[ ص: 145 ] ومنها : أن يصون عرض أخيه ونفسه وماله عن ظلم غيره مهما قدر ، ويرد عنه ويناضل دونه وينصره ، فإن ذلك يجب عليه بمقتضى أخوة الإسلام ، وفي الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما من امرئ مسلم ينصر مسلما في موضع ينتهك فيه عرضه وتستحل حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصره ، وما من امرئ خذل مسلما في موطن تنتهك فيه حرمته إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته " .

ومنها : تشميت العاطس ، قال عليه السلام في العاطس : " يقول الحمد لله على كل حال " ، ويقول الذي يشمته : " يرحمكم الله " ويرد عليه العاطس فيقول : " يهديكم الله ويصلح بالكم " ويستحب إذا عطس أن يغض صوته ويخمر وجهه ، وإذا تثاءب أن يضع يده على فيه .

ومنها : أنه إذا بلي بذي شر فينبغي أن يجامله ويتقيه ، قال بعضهم : خالص المؤمن مخالصة ، وخالق الفاجر مخالقة ، فإن الفاجر يرضى بالخلق الحسن في الظاهر " . وقال أبو الدرداء : " إنا لنبش في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم " وهذا معنى المداراة وهو مع من يخاف شره ، قال الله تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن ) [ المؤمنون : 96 وفصلت : 34 ] قال " ابن عباس " في معنى قوله تعالى : ( ويدرءون بالحسنة السيئة ) [ الرعد : 22 ، والقصص : 54 ] أي الفحش والأذى بالسلام والمدارة ، وقال في قوله تعالى : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ) [ البقرة : 251 والحج : 40 ] قال : " بالرغبة والرهبة والحياء والمداراة " وقالت " عائشة " رضي الله عنها : " استأذن رجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فقال : " ائذنوا له فبئس رجل العشيرة هو " فلما دخل ألان له القول حتى ظننت أن له عنده منزلة ، فلما خرج قلت له : " لما دخل قلت الذي قلت ثم ألنت له القول ! " فقال : " يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه " وفي الخبر : " ما وقى الرجل به عرضه فهو له صدقة " . وقال " محمد ابن الحنفية " : " ليس بحكيم من لا يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله له فرجا " .

ومنها : أن يختلط بالمساكين ويحسن إلى الأيتام ، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " اللهم أحيني [ ص: 146 ] مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين " . وقد روي أن " سليمان " عليه السلام في ملكه كان إذا دخل المسجد فرأى مسكينا جلس إليه وقال : " مسكين جالس مسكينا " وفي الخبر : " لا تغبطن فاجرا بنعمة فإنك لا تدري إلام يصير بعد الموت فإن من ورائه طالبا حثيثا " .

وأما اليتيم : " فقال - صلى الله عليه وسلم - : " من ضم يتيما حتى يستغني فقد وجبت له الجنة " وقال - صلى الله عليه وسلم - : " أنا وكافل اليتيم كهاتين " وهو يشير بأصبعيه ، وقال - صلى الله عليه وسلم - : " من وضع يده على رأس يتيم ترحما كانت له بكل شعرة تمر عليها يده حسنة " وقال - صلى الله عليه وسلم - : " خير بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه ، وشر بيت من المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه " .

ومنها : النصيحة لكل مسلم والجهد في إدخال السرور على قلبه ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " وعنه : " من أقر عين مؤمن أقر الله عينه يوم القيامة " وعنه : " من فرج عن مؤمن مغموم أو أعان مظلوما غفر له " وعنه : " إن من أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على قلب المؤمن وأن يفرج عنه غما أو يقضي عنه دينا أو يطعمه من جوع " .

ومنها : أن يعود مرضاهم ، وأدب العائد : خفة الجلسة وقلة السؤال وإظهار الرقة والدعاء بالعافية وغض البصر عن عورات الموضع . وعند الاستئذان لا يقابل الباب ، ويدق برفق ، ولا يقول : " أنا " إذا قيل له من ؟ وفي الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - : " إذا عاد المسلم أخاه أو زاره قال الله تعالى : طبت وطاب ممشاك وتبوأت منزلا في الجنة " وعن " عثمان " رضي الله عنه قال : " مرضت فعادني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " بسم الله الرحمن الرحيم . أعيذك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد من شر ما تجد قاله مرارا " ويستحب للعليل أيضا أن يقول : " أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد " وقال " طاووس " : " أفضل العبادة أخفها " . وجملة أدب المريض حسن الصبر ، وقلة الشكوى والضجر ، والفزع إلى الدعاء ، والتوكل بعد الدواء على خالق الدواء .

ومنها : أن يشيع جنائزهم ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " من شيع جنازة فله قيراط من الأجر ، فإن وقف حتى [ ص: 147 ] دفن فله قيراطان والقيراط مثل أحد " - جبل عظيم في المدينة المنورة - والقصد من التشييع قضاء حق المسلمين والاعتبار .

ومنها : أن يزور قبورهم ، والمقصود من ذلك الدعاء والاعتبار وترقيق القلب قال - صلى الله عليه وسلم - : " ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه " وعن " حاتم الأصم " : " من مر بالمقابر فلم يتفكر لنفسه ولم يدع لهم فقد خان نفسه وخانهم " . وقال " ميمون بن مهران " : " خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقبرة فلما نظر إلى القبور بكى وقال : " يا ميمون هذه قبور آبائي كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذاتهم ، أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلات ، وأصاب الهوام من أبدانهم ، ثم بكى وقال : " والله ما أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور وقد أمن من عذاب الله " .

وآداب المعزي : خفض الجناح وإظهار الحزن وقلة الحديث وترك التبسم .

وآداب تشييع الجنازة : لزوم الخشوع وترك الحديث وملاحظة الميت والتفكر في الموت والاستعداد له . والإسراع بالجنازة سنة .

فهذه جمل آداب تنبه على آداب المعاشرة مع عموم الخلق ، والجملة الجامعة فيه : أن لا تستصغر منهم أحدا حيا كان أو ميتا فتهلك لأنك لا تدري لعله خير منك ، فإنه ، وإن كان فاسقا ، فلعله يختم لك بمثل حاله ويختم له بالصلاح ، ولا تنظر إليهم في حال دنياهم بعين التعظيم فإن الدنيا صغيرة عند الله صغير ما فيها ، ولا تبذل لهم دينك لتنال من دنياهم فتصغر في أعينهم ثم تحرم دنياهم ، ولا تعادهم بحيث تظهر العداوة إلا إذا رأيت منكرا في الدين فتعادي أفعالهم القبيحة ، ولا تسكن إليهم في ثنائهم عليك في وجهك وحسن بشرهم لك فقد لا يكون لذلك حقيقة باطنا ، ولا تشك إليهم أحوالك فيكلك الله إليهم ، ولا تطمع أن يكونوا لك في الغيب والسر كما في العلانية فذلك طمع كاذب ، ولا تطمع فيما في أيديهم فتستعجل الذل ، وإذا سألت أخا منهم حاجة قضاها فهو أخ مستفاد ، وإن لم يقض فلا تعاتبه فيصير عدوا تطول عليك مقاساته ، ولا تشتغل بوعظ من لا ترى فيه مخايل القبول فلا يسمع منك ويعاديك ، وليكن وعظه عرضا واسترسالا من غير تنصيص على الشخص ، وإذ بلغك منهم غيبة أو رأيت منهم شرا فكل أمرهم إلى الله واستعذ بالله من شرهم ، ولا تشغل نفسك بالمكافأة فيزيد الضرر ، وكن فيهم سميعا لحقهم أصم عن باطلهم نطوقا بحقهم ، واحذر صحبة أكثر الناس فإنهم لا يقيلون عثرة ولا يغفرون زلة ولا يسترون عورة ، ويحاسبون على النقير والقطمير ويحسدون على القليل والكثير ، ولا تعول على مودة من لم تخبره حق الخبرة بأن تصحبه مدة فتجربه في أحواله ، أو تعامله بالدينار والدرهم أو تقع في شدة فتحتاج إليه أو تسافر معه ، فإن رضيته في هذه [ ص: 148 ] الأحوال فاتخذه أبا لك إن كان كبيرا ، وابنا لك إن كان صغيرا ، أو أخا إن كان مثلا لك ، فهذه جملة آداب المعاشرة مع أصناف الخلق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث